لم يكن خروج الفكر الحضاري للمفكر الجزائري الفذ مالك بن نبي إلى اللسان العربي أمراً سهلا ، بل كان مخاضاً عسيراً تداخلت فيه المحن السياسية، والمضايقات الأمنية، والظروف المادية العصيبة لطليعة من الطلاب العرب في قاهرة الخمسينيات. وتظل قصة ترجمة كتاب «شروط النهضة» وكتابه الممهد «الظاهرة القرآنية» فصلاً ملهماً يروي كيف تصنع الهمم العالية والنيات الصادقة تاريخ الأمة الفكري
بدأت الحكاية في أروقة المعاهد التعليمية المصرية، وتحديداً من خلال مسكن مشترك كان يجمع الطالب المغربي آنذاك الدكتور عبد السلام الهراس بالشاب المصري عبد الصبور شاهين (الذي غدا لاحقاً واحداً من كبار اللغويين والمفكرين)
وفي أحد الأيام، حضر الشابان محاضرة للدكتور أحمد هيكل (وزير الثقافة المصري الأسبق)، ووجّه فيها نصيحة بالغة الأثر للطلاب، حاضاً إياهم على امتلاك لغات أجنبية حية وعدم التذرع بالفقر أو ضيق ذات اليد، وضارباً لهم مثلاً حياً من بين الحضور قائلاً: انظروا إلى عبد الصبور شاهين، طالب فقير استطاع أن يتعلم الفرنسية وحده وأن يقوم بترجمة بعض المقالات
التقط الدكتور عبد السلام الهراس هذه الشهادة بوعي ثاقب، وأدرك أن رفيقه في السكن يمتلك الأداة اللغوية اللازمة لنقل كنز فكري مغمور كان قد بدأ يتبدى في الأفق؛ وهو فكر مالك بن نبي الذي وفد إلى مصر عام 1956م. توجه الهراس إلى شاهين وعرض عليه مشروعاً يبتغي به الأجر والأثر الحضاري قائلاً: أخوك عبد السلام الهراس من المغرب، هل لك أن تترجم كتاب "الظاهرة القرآنية" للأستاذ مالك بن نبي فيكون لك ذخراً في الدنيا والآخرة؟
لم تكن الظروف المحيطة بالمترجم الشاب عبد الصبور شاهين مهيأة لعمل فكري هادئ؛ بل إنه عانى في تلك الفترة من تقلبات الواقع الأمني الصارم، حيث أُلقي به في السجن بتهمة عصامية مفبركة ومُلفقة. ولكن فور إطلاق سراحه وتبرئته من تلك التهمة الكاذبة، انكب بعزيمة صلبة على مشروع الترجمةبدأ شاهين في ترجمة كتاب "الظاهرة القرآنية" كخطوة أولى تمهيدية. ولما فرغ من ترجمة مقدمة الكتاب وقرأها على مسامع الهراس، أُخذ الأخير ببيان شاهين، ودقة عبارته، وجمال أسلوبه العربي الرصين. ونظراً لشح الإمكانيات المادية للطلاب المغتربين آنذاك، لم يجد الهراس مكافأة مادية فورية يقدمها لصديقه تثميناً لجهده سوى أن خلع أحسن ساعة يد جديدة كانت عنده وقدمها له هدية. كانت هذه الساعة بمثابة اعتراف رمزي بعبقرية العمل، ووقوداً معنوياً دفع شاهين للاستمرار في ترجمة بقية الفصول، ومن ثم الانتقال مباشرة إلى العمل الأكبر والأعمق: ترجمة الكتاب العمدة شروط النهضة
بعد الفراغ من الترجمة، انتقل العمل إلى المطابع بالقاهرة، حيث أسهمت هذه الحركة الفكرية في تعريف الهراس وشاهين بقامات علمية وثقافية كبرى دعمت المشروع، وفي مقدمتهم المفكر الموسوعي الأستاذ محمود شاكر، والأستاذ سعيد العريان (وكيل وزارة التعليم آنذاك)
ورغم أن كتب مالك بن نبي المترجمة حققت صدى واسعاً في الأوساط الرسمية؛ إذ اشترت وزارة التعليم ووزارة الأوقاف المصرية أكثر من ألفي نسخة، وتلقفها طلاب العالم الإسلامي الوافدون من إندونيسيا، وماليزيا، وسوريا، ولبنان، إلا أن هذا النشر عانى من "تهميش بنيوي" مبطن من قِبل النخبة الحاكمة. فبينما كانت وزارة الإعلام تطبع وتوزع الكتاب، كانت السلطة السياسية تنظر بعين الريبة والسطحية لهذا المنتج الفكري. لقد صُنف فكر بن نبي التجديدي المنطلق من مرجعية إسلامية وروحية لدى بعض مسؤولي النظام الاشتراكي والحداثي آنذاك بأنه مجرد "كلام فارغ" أو "فورة عاطفية كـنار التبن المعزول في الصحراء تشب بسرعة وتنطفئ وتذروها الرياح"، وجرى اختزال مشروعه الحضاري الكلي في بعد "توظيف سياسي برغماتي مؤقت" لخدمة أجندة مؤتمر باندونغ، دون أي وعي حقيقي بالعمق المعرفي والأخلاقي المشترك الذي أسس له مالك بن نبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق