الكتاب:مشكلة الثقافة
المؤلف:مالك بن نبي
السلسلة :مشكلات الحضارة
الترجمة :عبد الصبور شاهين
دار النشر:دار الفكر
الطبعة :الثامنة عشر
سنة النشر:2019
عدد الصفحات:152صفحة
عدد الفصول :خمسة فصول
.
التلخيص
:
التصدير:طرأ التعديل على هذه الطبعة على غرار التي
سبقتها من طرف عمر المسقاوي بإضافة فصل جديد وهو مقال قد أعطاه إياه المؤلف مالك
بن نبي عنوانه (ما ضد الثقافة) وهو متمم
لفكرة بن نبي لمشكلة الثقافة ويعود سبب فصول هذا الكتاب إلى شرح والتعمق أكثر
في فكرة الثقافة بعد التطرق إليها في
الكتابين السابقين "شروط النهضة"و"فكرة الإفريقية الآسيوية" وتقديم
نظرة تحليلية مختلفة للمجتمع الإسلامي .
مقدمة الطبعة الثانية :
بيان أن الطبعة الأولى صدرت في القاهرة وكانت موضوع جديد وغريب
على العالم الإسلامي والغربي وهو متمم للأفكار الموجودة في كتاب "شروط النهضة" أما الطبعة الثانية
اختلفت عن الطبعة الأولى بإضافة فصل جديد "الأزمة الثقافية" لإبراز الجوانب السلبية وتوعية العالم
الإسلامي .
مقدمة الطبعة الأولى: في مقدمة الطبعة الأولى يشرح بن
نبي الثقافة وبما ترتبط تحديدا إذ يربطها
بأسلوب الحياة المجتمع وأفكاره وسلوكه الاجتماعي حيث تلعب الأفكار دورا أساسيا
في تحريك المجتمع وحركته وتنظميه تغييره ،
أي أن لها أثر إيجابي أو سلبي قد تبني النهضة
أو تهدمها.
الفصل الأول
:
تحليل نفسي للثقافة:
أوليات: حاول بن نبي في المبحث الأول أن يضبط مفهوم
الثقافة في العنوان الأول"ما الثقافة" حيث لجأ إلى المعاجم العربية
القديمة والحديثة فوجد أن أغلبها يردونها
إلى سرعة التعلم والفهم وبعد
التعمق أكثر في علم الاجتماع العربي في العصر الوسيط والعصر الأموي والعباسي لم
يجد لها الحضور رغم ما كان عليه المجتمع العربي من ازدهار آنذاك ثم تطرق إلى تفسير وشرح كيف يتم تسمية الأشياء حيث
يرى بأن بعد أن يخلف الشيء فكرة تبرهن وجوده في العقل وتفرض نفسها في الشعور يتم إطلاق
اسم عليه ، ثم بعد أن يتعدى الكيان النفسي يصبح مفهوما لتحقيقه الواقع الاجتماعي
ثم في العنوان الثاني من المبحث "عملية التعريف" حيث يرى بأن عملية
التعريف تبدأ عندما نطلق الاسم على الشيء ثم تتطور كلما أخذ الشيء معنا أكثر تركيبا ووضح فكرته بمثال
فكرة الزمن التي انتقلت من مرحلة الحضور
إلى مرحلة الوجود أي أنها انتقلت من المرحلة التجريبية إلى المرحلة العلمية
لأنها في عقل الإنسان وحققت وجودها وأزالت الغموض وتم تثبيت جوهرية الزمن بعدة
تقسيم مدة دوران الأرض وصارت تشكل
اليوم جزاء مهما في ثقافتنا . وفي العنوان الثالث "فكرة الثقافة" يجد بن
نبي أن المجتمعات السابقة البدائية رغم امتلاكها للثقافة الخاصة بها إلا أنها لم
تسميها أو تحددها لكن المجتمعات الأوروبية فيما بعد شخصت ثقافتها في واقع اجتماعي
وحددتها وبذلك ظهرت فكرة الثقافة وتم ترجمتها إلى كلمة الثقافة باللغة
العربية استنادا لآية "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" وكانت تعني الثقافة
الزراعة ورجل الأرض والتي مثلت الحضارة الأوروبية وكان لها دور مهم في النهضة الأوروبية .
الثقافة وعلم الاجتماع:
في المبحث الثاني من الفصل الأول للكتاب يؤكد بن نبي على أن القرن التاسع عشر له الفضل الكبير في ضبط
مفهوم الثقافة فبعد ما أوجد الفيلسوف
أوغست كونت علم الاجتماع وضع ملامحه ابن
خلدون ووضحه أكثر اعتمادا على مبدأ السببية أي
أن الأحداث متتابعة وعي في تطور وترابط مستمر وارتبط علم الاجتماع بعلم
الأجناس وعلم النفس وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد السياسي وبسبب هذه العلوم بدأ
المفكرون يتطلعون إلى المفهوم
الحق لكلمة الثقافة خارج الإطار المتوارث الذي يربطها بالقديم والموروثات ولأن القرن التاسع عشر كان قرن التحليل
فقد تم التغلغل أكثر في فكرة الثقافة فظهر تيار فكري جديد على يد الفيلسوف
شوبنهاور والفيلسوف فريديرك نيتشه ، هذا الفكر الذي وسع من فكرة الثقافة لكي تتسع وتشمل العبقرية الإنسانية
أجمع برغم من البحث العميق لمفهوم الثقافة إلى أن
هذا التيار الفكري انقسم إلى مناهج متخالفة وآراء متضاربة وبذلك اختلفت
التعريفات وبذلك ظهرت مدرستين :
-
المدرسة الغربية التي ترى بأن الثقافة وليدة الفكر .
-المدرسة
الماركسية ترى بأن الثقافة مصدرها المجتمع
.
ثم يفصل بين الرأيين المتضادين لتلخيص الأفكار بشكل
أوضح للقارئ ،تطرق أولا إلى رأي "رالف لنتون" الذي يتبنى ثقافة الكُل
القائمة على عناصر مختلفة أي أن المجتمع بدينه ولغته وتقاليده يحدد عقلية الفرد لذلك يتشابه نمط التفكير لدى أفراد المجتمع الواحد
ويتبنون سلوك اجتماعي معين وبه يتم التعرف على الاضطرابات المختلفة . أما الرأي
الثاني الذي يؤكد على وجود تباين على
مستوى الأفكار بين الطبقات الاجتماعية ويوجد تطور للموروثات نتيجة للأفكار الجديدة
والاختراعات والاكتشافات في مختلف الميادين وهو ما يؤثر على نمو المجتمع ويحدث التفاعل مع الثقافات الأخرى .أما رأي
"وليام أوجبران" يفرق ما بين الثقافة المادية أي ما تخلقه الثقافة من فوائد (الأدوات
والأشياء) . والثقافة المتكيفة التي تتضمن الجانب الاجتماعي (الدين-العادات
–التقاليد-اللغة –التعليم- الأفكار) والتي تنعكس على سلوك الأفراد حيث يرى
بأن تغير الثقافة يبدأ من الثقافة المادية ليمتد إلى الثقافة المتكيفة لأن
الأشياء تتغير بسرعة على عكس الأفكار
وبعد ذلك يمتد التغيير ليشمل الأفكار ويغير أيضا من الجانب الاجتماعي .
ثم يتطرق إلى عرض الفكر الماركسي حول الثقافة فيعرض
رأيين ، رأي "د.كونستا نتينوف" ورأي "ماوتسي تونج " حيث يتطرق
أولا إلى فكرة كونستا الذي يرى بأن حياة المجتمع مادية خارجة عن إرادة الناس أما حياة المجتمع هي عقلية انعكاس
لها ، أما ماوتسي تونج فيرى أن
الثقافة تعكس عقلية مجتمع ما إلا أن كلا الرأيين يلحان على ضرورة تطور
الثقافة بعد ذلك يحاول الموازنة بين
الأفكار التي طرحها سابقا ، حيث يؤيد ما ذهب إليه رالف لنتون من تحليل للأفكار التي قسمها إلى أفكار عامة
وأفكار خاصة لكنه لا يوافقه على رأيه المتمثل
في ضرورة الأفكار الجديدة في تحقيق التطور ،أما وليام أوجبرن يتبنى الثقافة
المادية التي تؤكد على فاعلية الأشياء ويخرج عن نطاق التفكير الكلاسيك .فرغم
اختلاف ما يذهب إليه كلا الرأيين إلا أنهما يصبان في الفكر الإحصائي ،إلا أن بن
نبي يرى بأن الثقافة لا تستمد من الأشياء حيث يستدل بتاريخ ألمانيا التي تمكنت من
النهوض مجددا رغم خسارتها المادية الكبيرة . إلا أن أمراض الثقافة قد تستمد من
الماضي لذلك توجب مراقبة أفكارنا الماضية
والمستقبلية . فيما بعد يتصور شكلا آخر للمشكلة ، حيث يرى بأن المشكلات
الاجتماعي طبيعتها تاريخية قد تنعدم في فترة معينة وتظهر في فترة آخرة بالنسبة
لنفس المجتمع وبذلك فإن الحلول تختلف من
فترة لفترة وحتى بالنسبة من مجتمع لآخر وذلك لاختلافهما من ناحية الأهداف
والاتجاهات والأعمار لذلك وجب أن يكون الحل مناسبا مع حالة المجتمع ،بعد ذلك يميز بن نبي ما بين الثقافة لدى المجتمع الغربي
رغم اختلاف توجهاته فهو يجدها واقع اجتماعي معين في نطاق تاريخي معين أما العالم
العربي والإسلامي فهو يختلف إذ يوجد واقع
واقعا اجتماعيا لم يوجد بعد وهنا تكمن مشكلة العالم الإسلامي إذ أنه لا
يوجد حلولا تتماشى مع مجتمعه وتتناسب مع أشيائه وإنما حلول مستوردة من العالم
الغربي لذلك لن تكون أي فاعلية ثم يحاول
بن نبي تقديم تعريف آخر للثقافة ، حيث يؤكد على مشروعية الأفكار الغربية والماركسية
التي تطرق لها سابقا لكنها لا تزال ناقصة وغير مقنعة في رأيه من عدة جوانب لذلك حاول بدوره أن يجد تعريفا مناسبا من وجهة علمية وأخرى تربوية
وبعد أن أقصى الأفكار الغربية ، رأى بن
نبي أن العنوان الأنسب هو الذي يتماشى مع الأسباب الذاتية العربية ومتماشية مع المشاكل الإسلامية لضمان فاعليتها
لا مستوردة ، ثم يطرح السؤال مرة أخرى " ما الثقافة ؟" لكن ما ينقص بن
نبي لكي يجيب عليه هو العنصر الضمني الذي يغيب في المجتمع المسلم والذي يرتبط
بالأسباب الذاتية والذي يحدد مشاكل الثقافة لكن بما أنه يغيب في المجتمع الإسلامي فإن الفاعلية تنعدم معه والتي
بدورها تعكس الثقافة المعينة للمجتمع الإسلامي
فهي تشكل المظهر النفسي الفردي والمظهر الاجتماعي الجماعي ، وهذه
الفاعلية ليست بالشيء الذي يتم تعليمه
في الجامعات والمدارس وإنما يُكتسب من حياة أسلوب الحياة الاجتماعية لذلك حينما نتحدث عن
مشكلة الثقافة فنحن هنا نتحدث بشكل غير مباشر
عن أسلوب الحياة الاجتماعي وهذا ما أغفله التفكير الغربي والماركسي ،لذلك
فالثقافة ليست شيء واحد ولا تنحصر في مجال واحد وإنما تعدد اتجاهاتها لتمثل علاقة
متبادلة تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع و أسلوب الحياة
بسلوك الفرد .
ثم يعنون فقرة أخرى ب"الجانب النفسي والجانب
الاجتماعي " للشرح أكثر للقارئ
الثقافة والعلاقة ما بين الفرد والمجتمع
بصورة موضوعية دون انحياز لأي من الآراء السابقة لذلك ذهب إلى أن مرحلة التثقيف مرت بمرحلتين هما
: المرحلة الساكنة(الاستاتيكية) والمرحلة الحركية(الديناميكية) ، حيث يرى بن نبي
أن الفكرة هي ما يُحرك الشيء ولكن الشيء يمتلك أيضا وبالتالي تتم بهما عملية التثقيف لأن في
الكثير من المحطات التاريخية فقدت عدة
مجتمعات فقدت عالم أشيائها لكنها تمكنت من إنشاء كيان آخر بفضل فكرها مثال
ذلك ما حدث مع ألمانيا عام 1945 ،لذلك فالفكرة أسبق من الشيء في نمو الثقافة
وتحريكها وبأفكار تطور الأشياء أكثر في
المرحلة الاستاتيكية و دور الفكرة في ظاهرة التثقيف يرتبط بالظروف الاجتماعية
والتاريخية وتتحقق فاعليتها بشروط نفسية اجتماعية وبدونها تفقد فاعليتها التي
تتعدد باختلاف الزمان والمكان أي أنها قد تفقد فاعليتها في فترة وتكتسبها في فترة
زمنية أخرى وقد تغيير بطريقتين إما أن يرتفع مستوى الحضارة فتظهر أفكار أخرى تساعد
المجتمع على التقدم ويستدل بن نبي بفكرة
حجر الفلاسفة التي طورت من الفكر العلمي خلال العصر الوسيط ثم دفنت على يد "لافوازييه" عندما أعلن
عن نتائج أبحاثه الكيمائية .وإما عندما تنقطع الأفكار الاجتماعية أي أنها بدون طابع أخلاقي أو عقلي
وبذلك فهي لا تساعد على تحقيق الثقافة ويستدل على ذلك
بفكرة الجاذبية فلو أن التفاحة سقطت على شخص آخر في زمن آخر لما أُكتشفت الجاذبية وأكلها ذاك الشخص . وبذلك
فالفكرة والشيء فإنهما يكسبان القيمة الثقافية في شروط معينة وبدونها يتجمد عالم
الأشياء وعالم الأفكار وتختفي الفاعلية الاجتماعية ، ثم يتعمق أكثر في ضرورة الاهتمام
بالشروط التي تحقق الفاعلية ، فغيابها يؤدي إلى لملمة الأفكار دون التعرف عليها أو فهمها أو
التعمق بها ، وبذلك تنعدم الأسئلة التي توجد الحلول وبذلك الخمود والجمود
الاجتماعي ، وهذا ما حدث مع المجتمع
الإسلامي حتى القرن التاسع عشر إذ لم يكن قادر
على إيجاد أفكار لأن نشاطه العقلي والاجتماعي انعدم تماما وبذلك انحدر سلوكه الاجتماعي نحو الأسوء ويستشهد
على ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي صور علاقة الفرد والمجتمع بالعلم أي الأفكار
بالأشياء والذي قسم أيضا المراحل التاريخية التي يمر بها المجتمع وهي : المرحلة
التي يتقبل فيها الأفكار ويبدع فيها ثم المرحلة التي تنتقل فيها تلك الأفكار من مجتمع إلى آخر ثم
المرحلة الأخيرة التي تتجمد فيها الأفكار وتفقد فاعليتها الاجتماعية وهذا ما حدث مع المجتمع
الإسلامي إذن أنه لا يزال متجمدا منذ عصر ابن خلدون
.ثم يتطرق إلى طبيعة العلاقة الثقافية ، إذن الثقافة
تستمد قيمتها من الأفكار أي علاقتها مربوطة بالفرد وبذلك يتم تحديد أسلوب الحياة
في مجتمع معين وفق ذلك ، وتتكون هذه العلاقة لدى الفرد وفق الوسط الذي ينمي فيه الفرد وجوده المادي و هي
تتغير بتغير المستوى الاجتماعي والذي يتغلغل
بصورة لاشعورية تجعلنا نكتسب أسلوب معين .يحاول بن نبي
بعد ذلك توضيح المقاييس الذاتية التي
تستند عليها الثقافة والتي تحدد كيفية تعاملنا مع
المشاكل التي تواجهنا والفاعلية الاجتماعية وشخصية الفرد و أسلوب الحياة أيضا حيث لا يأخذها الفرد بوعيه وإرادته
وإنما يكتسبها بطريقة لا واعية من المحيط الذي يعيش فيه فعندما يولد الإنسان يجد
عالمين معيين – عالم الأفكار وعالم الأشياء- و باتصاله الدائم فإنه يكتسبها
لا محالة و يندمج داخل الأسلوب الاجتماعي لوسطه و بذلك تتكون اللغة الموضوعية التي
يتحدث بها جميع أفراد المجتمع الواحد و إذ
ما فقدها الفرد ، فقد اندماجه داخل مجتمعه وبذلك فالصلة الثقافية جد مهمة إذ
أنها تمنح الأفكار والأشياء قيمتها الذاتية والموضوعية في الإطار الاجتماعي ، ثم يضيف بن
نبي أن للطبيعة دورا في تحديد الثقافة و خصائصها و
تشييد البناء الأساسي الأخلاقي وصناعة و حتى الفن
.
الفصل الثاني
:
تركيب نفسي للثقافة
:
تراكيب جزئية وتركية عام : يحاول بن نبي في المبحث الأول من الفصل
الثاني توضيح أكثر ما تطرق
إليه في الفصل الأول لكن من الجانب النفسي ، حيث يُذكر القارئ بما سبق أن الثقافة تتحقق بوجود صلة ضرورية
بين الفرد و العوالم الأربعة ، لكن يؤكد بن نبي على وجود تركيب معين يجب أن يتحقق ليحقق
الثقافة وخطة تربوية منهجية يتم إتباعها و التي تشمل : الأخلاق ، الجمال، المنطق
العملي و الصناعة .و كل عنصر له أهمية
كبيرة
إذ يشكل كل واحد تركيب تربوي معين لطائفة معينة .
توجيه الأفكار
: تكمن مشكلة الثقافة من الناحية التربوية من توجيه الأفكار أي و حينما نقول التوجيه نعني به حُسن التسيير
و وحدة الهدف واستغلال الطاقات بشكل جيد وعقلاني وتوفير الجهد والوقت ، إذ يؤكد بن
نبي عن كون المجتمع الإسلامي مجتمع ساخر بالطاقاتالرهيبة والمواهب مع تلائم الظروف
المكانية و الزمانية و بها يتمكن من تحريك التاريخ نحو الهدف المراد بدافع الفكرة الدينية
، إذ لا يكفي إنتاج الأفكار فقط بل يجب توجيهها أيضا لتحقق وظيفتها الاجتماعية
الموحدة ، وظيفتها التي تكتسبها من روح الجماعة وهنا يوجد موقفين في العالم الإسلامي متضاربان يؤديان
إلى فشل توجيه الأفكار ، الموقف الأول الذي يعمل دون فاعلية أي دون أفكار وبذلك يفقد نشاطه الفاعلية
أما الموقف الثاني فهو الذي يكدس الأفكار دون عمل و بذلك لا توجد أيضا فاعلية .و
في كلاتا الحالتين نجد عدم تتبع القواعد الفكرية و بذلك يتجمد العمل ولا تكون له
أي قيمة ،لذلك وجب وضع برنامج توجيهي للثقافة وتحديد الغاية خلفه .
توجيه الثقافة : بما أن الثقافة حالة مستمرة و تطورها يؤدي إلى
تطور المجتمع وبما أن المجتمع
يمر بعدة مراحل تاريخية ، فإن بن نبي يلح على ضرورة تعريف الثقافة بتعريفين الأول يحدد الحالة الاجتماعية
الراهنة أما الثاني يحدد المصير .و بما أن دورة الحضارة تتصل بالماضي ثم تتصل بالمستقبل و لذلك
يجب الفصل بين المراحل التاريخية لتتقدم بتصفية الفكر الموالي و تحطيم الموروث من فترة
انحطاط الفترة التي سبقتها وبذلك يتم تجديد الأوضاع بالسلبية التي تفصلنا عن رواسب الماضي
والإيجابية التي تصلنا بالحياة الكريمة حسب قول مالك بن نبي وهذا ما اتبعته
الثقافة الغربية حينما كان "توماس الأكويني" يصفيها من الأفكار الإسلامية التي شكلت له عاملا دخيلا
يجب أن يزال .ونفس المنحى تبناه ديكارت لكن بشكل إيجابي حيث رسم للثقافة الغربية
طريقها الموضوعي وشيد المنهج التجريبي وبذلك تقدمت الحضارة الحديثة ماديا . ونفس الأمر
بالنسبة للمجتمع الإسلامي إذ أنه جدد من الناحيتين السلبية و الإيجابية لكن مرة
واحدة فقط عندما كان القرآن هو الموجه الوحيد إذ أنه نفى الأفكار الجاهليه ورسم
طريق للفكرة الإسلامية تبني المستقبل
بطريقة إيجابية و هو نفسه ما يحتاجه المجتمع الإسلامي
اليوم هذه هي النهضة الإسلامية .ثم يستدل
بالتاريخ الجزائري وكيف كان يحاول تحقيق النهضة
الإسلامية إلا أنها لم تفلح .بعد ذلك يؤكد مرة أخرى على أن الثقافة هي
تجديد التفكير بعناصره الجوهرية الأربعة لا أخذ الثقافة بتعريفاتها الغربية أو
الماركسية فهي توقعنا في مغالطة ، لأنها
لا تحدد مضمونها القابل
للتعليم داخل إطار الجماعة ثم يُفرق بن
نبي بين التعليم و الثقافة ، فالثقافة هي نظرية في السلوك ، التي توحد بين طبقات
المجتمع في تعامل مع المشاكل أما التعليم فهو نظرية في المعرفة والتقدم ، لذلك فالسلوك الاجتماعي
يخضع لعالم الأشياء أكثر من المعرفة .
الحرفية في الثقافة
:
يرد بن نبيي أن مشكلة النهضة للمجتمع الإسلامي تعود
لرجل القلة ، الشخص الذي يأخذ من الثقافة سوى
ما يضخم صورته دون إدراك عنصرها الرئيسي ،ثم ظهور المتعلم أو المتعاقل الذي ليس له
علاج لأنه يأخذ العلم آلية للفتك بالمناصب لا لخلق ضمير فعال يُوجد النهضة ثم
يصفه بن نبي بالجهل المطلق لأنه لا يفهم المعنى وأهمية الأشياء و الكلمات و
معانيها لذلك
يرى بن نبي على ضرورة القضاء على هذا النوع كي يستعيد العلم معناه و يصفو الجو لطالب العلم و لأن الطبقة المتعالية
هي التي تحكم المجتمع وجب أن يتكاتف المجتمع أجمع للتصفية
لأنها مشكلة مجتمع بأكمله لا طبقة واحدة ، و وجوب وضع نظام تربوي لنشر الثقافة بشكل
صحيح في جميع الطبقات الاجتماعية .
معنى الثقافة في التاريخ
:ترتبط الثقافة بتاريخ لأنه يشكل جزء مهم منه ، فالثقافة هي فكرة دينية انتظمت الملحمة الإنسانية و هي ما يزود
المجتمع بالحضارة والمحيط الذي يتشكل فيه خصائصه وبها يتركب التاريخ .
معنى الثقافة في التربية
:يكمن تحديد التعريف التربوي للثقافة من خلال هدفها و هو تسير الحياة العامة بمجالاتها و أن تهتم
بكل الطبقات الاجتماعية و وظائفها أي تحديد الوظيفة المناسبة لكل فرد وفق شروط معينة .
التوجيه الأخلاقي :
يدرس بن نبي في هذا المبحث الأخلاق من الناحية الاجتماعية و يحدد ضرورة التماسك بين الأفراد لتكوين
وحدة تاريخية ، حيث أن الأخلاق مرتبط بالجماعة و الدين و تكمن مهمتها في ربط أفراد المجتمع إذ أن الأخلاق مصدرها ديني و ليس علمي أو فني وعندما
نستقرأ التاريخ نجد صحة ذلك فالنهضة الغربية مثلا تأسست على منطلق مسيحي لكن الإسلام
هو ما خلق الحضارة من العدم لذلك وجب العودة إليه للنهوض بالتاريخ الإسلامي مرة أخرى
.
التوجيه الجمالي :إن
الجمال ينعكس في المجتمع و حركته و أعماله
و أهدافه وبه يتحسن فكر الفرد و ينبت
فيه الأخلاق الفضيلة أيضا و يبعده عن ما رواسب العادات و المشكلة الإسلامية اليوم
تكمن في فقدان العنصر الجمالي الذي يساعد على حل المشاكل الجزئية ، كما أن الإطار الحضاري متصل به وبذلك فالجمال هو
الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة وما يعكس صورتنا الخارجية .
المنطق العملي :
المنطق العملي يتعلق بكيفية ارتباط العمل بأدواته و أهدافه وهو يستمد مقاييسه من
الوسط الاجتماعي و إمكانياته ،و صيغة أخرى استخراج الفوائد الممكن استخراجها من أدوات معينة ، لكن المجتمع الإسلامي
اليوم يعاني نقص العمل و انعدام الفاعلية من الجانبين الخاص و العام ،ثم يمثل ذلك
بن نبي بعدة أمثلة من الواقع الجزائري لغياب الأدوات في القطاعات . فمشكلة العالم الإسلامي
تكمن في جهله للوسائل و أفكار نظرية لم تطبق بعد
التوجيه الفني أو الصناعة :الصناعة
هي مختلف الفنون و المهن التي يكسب بها الفرد لقمة عيشه و يستمر المجتمع بها و
يحافظ على كيانه ،لذلك وجب إنشاء مجلس للتوجيه الفني ليحل مشكلة التربية المهنية تتبعا لحاجة
البلاد و لكي يخلق تعاون ما بين رجل القلة و المدينة لبناء الحضارة معا .
الأزمة الثقافية
:بعد أن قدم بن نبي تعريفا لمعنى الثقافة ثم شرح ما
يشكل الثقافة و قد تتبع الاطراد الثقافي
ليطرح في هذا المبحث ما قد يحدث عندما يزول الجو الثقافي وعنونه بالأزمة
الثقافية ثم قدم تعريفا لها إذ يراها ، زوال الالتزام بين المجتمع و الفرد و بذلك
تتقهقر حالة المجتمع وتجمد ولا يجد سبيلا
للنهوض إلا بثورة ثقافية عارمة تكون بمثابة انطلاقة جديدة ، ثم يحدد مالك بن نبي حالات الأزمة الثقافية
التي تبدأ من الاستسلام إلى الثورة العنيفة ثم يقترح حلا لتجنب الأزمة الثقافية
بوضع سلم للقيم الثقافية يتوافق مع السلم الاجتماعي أي أن المراكز الاجتماعية تكون
موزعة حسب الدرجات الثقافية و هنا تكمن المشكلة الإسلامية إذ أن السلمان معكوسان لذلك انحطت قيمته و خضع للتكنولوجيا
بدل الثقافة .
الفصل الثالث
:
تعايش الثقافات
:نظرات في تعايش الثقافات : يرى بن نبي أن العمل قد
يتكون من تعاون بين عدة ثقافات مختلفة خاصة إذ
اشتركت في المجال الجغرافي و الزماني ويعني هذا إمكانية تعايش ثقافات عدة مع بعضها البعض ويستدل تاريخا
بمؤتمر باندوج المؤتمر متعدد الثقافات الإفريقية و الآسيوية لحل مشاكل مشتركة .
تعايش ثقافي على محور طنجة –جاكرتا : إن مؤتمر
الأفروآسيوي -باندوج- قد جمع بين عناصر المشكلات
العضوية الخاصة بالشعوب الأفروسيوية لذلك تم
التبادل الثقافي في نطاق علاقة حضارية من ناحيتين تربوية وحيوية و هو ما
حصله هذا المؤتمر لاشتراك دوله في الرغبة في دحر
الاستعمار لكن توجب أيضا أيضا تأسيس منهج أخلاقي على مبدأ إيجابي بدون أن يكون أساسه ديني و ذلك
لاختلاف الديانات في المؤتمر كما أنه لا يمكن للدين أن يمثل غاية كهاته ، لكن وجب أيضا
تجاوز النزعة السلبية أي العدواة ضد الاستعمار و إيجاد مبادئ
إيجابية كالحرية بكل جوانبها ، التحرر السياسي و الذاتي إلى آخره لكي يتحرر الرجل الأفروآسيوي من المشاعر السلبية
اتجاه الاستعمار و يكون ذلك بالاستعانة بالتراث الذي يشكل مركب نفسي و هو مشترك بين الشعوب
الأفروآسيوية و بذلك تتجه نحو الأخلاق ثم
نحو الصناعة ثم تنشر
السلام و تتخلى عن فكرة الحقد و العنف وتنشد أكثر الحوار الدولي و أكثر من مثل ذلك في رأي مالك بن نبي هو
غاندي الذي يجدر أن يكون قدوة لنا في ذلك دون أن ننسى الاستعانة بالذوق الجمالي و
المنطق العملي بالمشروعات و التخطيط و التنفيذ للمصالح الخاصة لكل بلد عضو .و بهذا خطى بن نبي مشكلة الثقافة و
وجه الحياة الفكرية في ظل تعدد الثقافات وقيمها ،و في الأخير ناشد ببيان نهائي
يجمع بين دول مؤتمر باندونج تحت عنون "التعاون الثقافي".
الفصل الرابع
:
الثقافة في اتجاه العالمية
:يرى بن نبي أن الحربين العالمتين قد أبرزتا الكثير من
المشكلات و أعطتها مدى أبعد حيث خلقت مجال ثالث جعلت كل ثقافة تتعامل مع حقيقة
مشكلاتها الداخلية و الاتصالية وأن تدرك حقيقة المشاكل الأخرى على المستوى العالمي
، فالمسلم المثقف لدى بن نبي ملزم على أن يتعامل مع الأشياء من جوانبها الإنسانية حتى
يدرك دور ثقافته في الإطار العالمي و يتوقف ذلك على شروط أخلاقية لأنه يتم في مجال
الأفكار قبل الأشياء ،و قد تستمد الأمة عظمتها إذ ما تناسقت أفكارها مع المرحلة
الإنسانية مثل ما حدث مع غاندي ولكن تكمن مشكلة
العالم الإسلامي في أفكاره و عدم إدراكه للعالم وتقديره للمشكلات لهذا لا يزال في حظيرة التخلف ، و يرى بن نبي أن الحل
يكمن في سلوك طريق لم تعبره الأمة قبلا و الذي يكون أقرب للإنسانية واعتناق مشاكل
الإنسانية و جعلها رسالة لتبليغها وبذلك تتخلص من الآثار السلبية .حيث أن القرن الواحد و العشرين أضفى
مقياسا جديدا في المنهج الذي يحدد الثقافة و هو الإنسانية فأصبح نوع الثقافة يتحدد وفق نفسية
الشعب و منبعثه ، كما أن لكل ثقافة رقعتها الجغرافية أي مجال معين يتكون فيه وعيها للمشكلات التي تواجهها و تجد
فيه أيضا الوسائل لحلها لذلك فإن لإفريقيا تراث ثقافي خاصة من ناحية القيم
الأخلاقية و الجمالية، لذلك يرى بن نبي
أنه يتوجب دراسة المشكلة من ناحيتين : مزج الثقافة ورقعتها الجغرافية .كون االمزاج الإفريقي لا يحمل عقدة
من النوع الإمبراطوري و بذلك هو يخطو خطوة نحو التحضر ، كما أن الرقعة تجاوزت
الحدود الإقليمية إذ أصبحت ترتبط في القرن العشرين بالإنسانية
أي أن الثقافة أصبحت تحدد أخلاقيا و تاريخيا داخل تخطيط عالمي لأن المواضيع التي ترتبط بها ليست في أرض الوطن
بل تتعداه ، فالثقافة الإفريقية مجالها العالم بضرورة و
التي تكشف وجود القابلية الاستعمار و الاستعمار اللذان يشكلان رواسب من القرن
التاسع عشر
التي خلقت مشاكل سياسية و نفسية و أخرى اقتصادية لذلك توجب التخلص من الرواسب الاستعمارية
و لذلك يقترح بن نبي ثلاثة حلول :
-الارتفاع
بمستوى الرجل الإفريقي المتحرر من الاستعمار إلى مستوى الحضارة
-الارتفاع
بالرجل المتحضر الذي لا يزال متأثرا بسلبية الاستعمار إلى مستوى الإنسانية
-إدخال
الشخصية الإفريقية في المسألة الرئيسية للسلام.
و كل هاته تصب لحل مشكلة واحدة و هي مشكلة الإنسانية
، المشكلة التي يجب أن تعالجها النخبة
الإفريقية بإدراك وضعها الحالي أولا ثم التخلص من الضمير الأوروبي الذي خلفه
المستعمر في نفوسنا لأنه جعل معاييرنا مزدوجة النظر و ترويض صلاحية الضمير
الإنساني الذي يسهم جميع
الأطراف ويسحب من أوروبا بساط الهيمنة و بذلك يعود الضمير الأوروبي إلى
تجديد بناءه و تحقيق فاعليته أخرى بارتقائه نحو الإنسانية و بذلك فإن الوحدة
الإفريقية يجب أن تفعل
الضمير الإنساني لتحقيق السلام بالتخلص من القابلية لاستعمار و التخلص من الأفكار السلبية اتجاه المستعمر و
بذلك هي تخطط و تبني لصالح الحياة الدولية .
الفصل الخامس
:
ما ضد الثقافة:
في الفصل الأخير من الكتاب المترجم عمر كامل مسقاوي
ظروف كتابة هذا الفصل ، إذ أنه
كُتب جراء تراجع دور المنظمات الإقليمية و القارية
.لذلك رأى بن نبي ضرورة دعوة و إدماج إنسان العالم الثالث لوضع أطر أخلاقية
واجتماعية و سياسية لآفاق مستقبلية و كذا طرح مشاكل التخلف لأن الثقافة تتطلب
تحديد معطيات البلد بعد خروجها من قوقعة الاستعمار و بداية تأسيسها الاجتماعي فهي
ما تحييه . أما بالنسبة للمشاكل
الإفريقية فهي مشكلة السيادة القومية و وضع اجتماعي متدهور وأخرى خلفها المستعمر و يجب أن تكون
الحلول في نظر بن نبي أسمى من استرجاع السيادة الوطنية فقط بل يجب أيضا بناء أجهزة
التي تطور السيادة في أبعادها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و الثقافة هي
ما تحدد ذلك فهي ما يعلم الفرد كيفية العمل المشترك والعيش المشترك و الأهم الكفاح المشترك . و
بعد ذلك أن نعالج المشاكل الاقتصادية و نحقق المصالح الإفريقية و تحسين المستوى المعيشي
و تحقيق التنمية والتطرق للمشاكل الاقتصادية أولا لأنها تشكل جانبا من الثقافة ،و هي
المشاكل الأهم في إفريقيا بأكملها و يكون ذلك بتبني ثقافتين
:
-ثقافة
تنتج أسباب التقدم و التنمية .
-ثقافة
تخلق الشروط النفسية و الاجتماعية لما هو التخلف
أي وجهين يمثلان : التنمية و ما دونها .
ثم يجزم بن نبي على عدم وجود ثقافة التخلف و إنما
وجود لاثقافة وهي المستوى الاجتماعي التاريخي الذي
ننطلق منه كي نبني ثقافة أصيلة وعالمية .كما أن بن نبي
لا يعتبر الفولكور ثقافة لأنه في أحسن الأحوال جزء منها لا غير و في الأخير فقد
حلل بن نبي في هذا الفصل و حدد معالم الأزمة بعدم السماح للنشوز عن طريق الضغط عن طريق الضغط الاجتماعي
و النقد و الاستنكار ، و بذلك تبدأ عند زوال الجو الثقافي و تعذر تركيب العناصر و بذلك شخص بن نبي أن
مستوى العالم العربي هو حالة "ما ضد الثقافة" دليلا على التخلف و غياب الثقافة و غياب و اقتراض القيم الثقافية و انعدام
الفاعلية الاجتماعية و كنتيجة لذلك
فإن الحضارة الإسلامية تتجه نحو العدم يوم بعد آخر
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق