‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب وروايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب وروايات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، يوليو 12

ملخص كتاب شروط النهضة -مالك بن نبي

البطاقة الفنية للكتاب :

الكتاب : شروط النهضة

اسم الكاتب : مالك بن نبي

سلسلة : مشكلات الحضارة

الترجمة : عمر كامل المسقاوي  وعبد الصبور شاهين

دار النشر : دار الفكر

الطبعة : السابعة عشر

سنة النشر :1439ه-2018م

عدد الصفحات : 181 صفحة

عدد الأبواب : -باب الأول : الحاضر والتاريخ

               -الباب الثاني :المستقبل .

 

تلخيص المحتوى :

الوصية :تحميل الفيلسوف مالك بن نبي للمفكر عمر مسقاوي مسؤولية في نشر كتبه من أجل مواصلة دراسة المشكلات وطرح الأفكار الاجتماعية ودعوة القراء للمساعدة على حفظ الحقوق بتبليغ عن أي طبعة صادرة عن غير دار الفكر .

مقدمة الطبعة الفرنسية: قدم الدكتور عبد العزيز الخالدي استنادا على محتواه فوضح أن التجربة الواقعية لمالك بن نبي دفعته لتقديم مؤلفاته لمواجهة مشاكل العالم الإسلامي والبحث عن حلول ربطا إياها بتاريخ الجزائر والاستعمار ورواسب التراث الوثني الذي تشكل بفعل القرون المليئة بخرافات الدراويش حيث بقيت لسنين طويلة مشكلة وضعية اجتماعية للفرد الجزائري الذي استغله المستعمر الفرنسي وحط من حضارته وغرس لديه القابلية للاستعمار.

مقدمة الطبعة العربية :وضع الكتاب باللغة العربية جعله محور الاهتمام للبلاد الإسلامية من باب فهم الواقع الاجتماعية وآليتها حيث بعد مناقشات مالك بن نبي مع قرائه وصل أنه لم يمنحهم التوضيح الذي يريدونه حول دور الفكرة الدينية كعامل اجتماعي في توجيه التاريخ لذلك تم استغلال هذه الطبعة لإضافة فصل يعالج تحديدا أثر الفكرة الدينية في الدورة الحضارية خاصة اعتمادا على الاعتبارات النفسية الاجتماعية وأخرى تاريخية بواسطة التحليل النفساني الذي يقتصر على العقل التجريدي .

الباب الأول :

الحاضر والتاريخ :

أنشودة رمزية : صور لنا مالك بن نبي حالة آدم من المخلوقات في البر والجو والأرض وكل بتفاصيلها فأراد ادم التغلب على خوفه في مواجهة الواقع المعاش .. فأعطاه الله عقلا ويدا فالعقل خلق القوة

دور الأبطال:  يبين الكاتب أن عهود الملاحم ليست سوى إشباع رغبة الإنسان في الخلود أكثر من البقاء واكتساب المجد وإرضاء العقيدة ،فالشعوب الإسلامية واجهت الاستعمار بدور بطولي فقط حيث شُنت المقاومات الشعبية بداية من الأمير عبد القادر إلى الأمير عبد الكريم الخطابي رغم عدم التكافئ العسكري بينهم إلا أنهم كانوا يستمدون بواعث كفاحهم من العقيدة الإسلامية لكن ما عابهم  أن تحركاتهم لم تكن تعالج المشاكل التي مكنت الاستعمار من التغلغل فمشكلة كل شعب مصدرها مشكلة حضارته لعدم وعيه بالعوامل التي تبني الحضارة أو تهدمها فكل الحضارات تشكل سلسلة مترابطة مع بعضها البعض فقيام حضارة يتزامن مع انتهاء أخرى . وما عابها أيضا أن هذا الدور البطولي أقامه البطل وحده يعني مشاركة فرد واحد دون المجتمع كله وبذلك فبموته يختفي ،فالذي ينقل مشروع المقاومة من البطل إلى المجتمع هو دور الفكرة التي بدأت مع جمال الدين الأفغاني .

دور السياسة والفكرة : إن الكاتب يركز على الكلمة والفكرة التي بإمكانها نقل مشروع المقاومة من البطل إلى المجتمع بأكمله وهذا ما غيرته كلمة جمال الدين الأفغاني عام 1925 في العالم الإسلامي حيث استطاعت تغيير فكر المجتمع الإسلامي من التعايش في صمت نحو تبني الفكر الإصلاحي ومحاولة فهم أسباب الخمول والبحث عن حلول وانتقال المقاومة من فرد واحد إلى المجتمع وتوسعت لتشمل الجزائر بقيادة جمعية علماء المسلمين لكن سرعان ما تبخر الفكر الإصلاحي وحل مكانه الانتهازية السياسية التي تسعى إلى الظهور الانتخابي أكثر من حل مشكلات المجتمع .

دور الوثنية:ينتقل الكاتب للحديث عن الجهل ويعتبره أنه وثنية كونه يجمد الأفكار ويثبت الأصنام ثم يستحضر فترة الدراويش بالجزائر التي نصبت الوثنية في الزوايا لكنها زالت بظهور الفكرة الإصلاحية فمسحها وبزغت أكثر بعد افتتاح مؤتمر الجزائري لكن سرعان ما تبددت بسبب إنجراء روادها خلف القيادة السياسية ورجعت فكرة الوثنية بحلة جديدة حيث كان السياسيون ينصبون أصناما بأسماء جديدة  ببث خطاب سياسي مزيف للشعب بدل تقديم المشاريع التي تستهدف الفرد المسلم للتغير من نفسه وتدفعه للقيام بواجباته حتي يغير من واقعه ويصفون الذهنيات من القابلية للاستعمار لكنهم بدل ذلك كانوا يطالبون بالحقوق لاعتقادهم أنها معطى أكثر من كونها ردة فعل للواجب لفهمهم الخاطئ لعلم الاجتماع وبذلك تبددت الحضارة .

 

الباب الثاني :

المستقبل :

أنشودة رمزية : صور لنا مالك بن نبي كفاح الطبقة الهشة المزارعة بوجه الخصوص فأراد منا أن نفهم أن الكفاح والمعاناة للعامل البسيط هو الدور الأعظم في ميلاد أي حضارة وقد أتاح لنا الرؤية بعيدا بقوله للحضارات ،الفراعنة لم يكونوا ليصنعوا أهرامات لولا العامل العبد أو المكافح والصين لم تكن لتصنع صورها ولا المايا والفينيقيون أو الرومان . لذلك أراد بن نبي أن يطبق حقيقة أزلية أن الملك دون رعية لا يساوي شيء أما الرعية دون ملك فسيشكلون حضارة.

من التكديس إلى البناء : سبب مرض وتخلف العالم المسلم عن الحضارة هو الجهل بأسباب التخلف والسعي في الطريق الخطأ للشفاء وثانيا هو ذهنية التكديس التي تقوم على شراء منتجات الحضارية سواء فكرية أو مادية بهدف اقتراض تلك الحضارة فيتم تكديس تلك المنتجات  دون تحليلها من أجل تركيب الحضارة لظنهم أن الحضارة تتم فقط بوجود الإنسان والتراب والوقت ولكن يجب تدخل مركب ما وهو الفكرة الدينية هنا لدى العالم الإسلامي ليحدث التفاعل ويتم تحقيق النهضة فهي تقوم بتحديد غاية الإنسان وتصنع الحافز في الإنسان والرغبة ثم توجهه لتنظيم طاقته الحيوية بما يخدم علاقاته وهنا يوظف مالك بن نبي عن قصد كلمة تراب بدل مادة كي لا يتسلل الفكر البراغماتي لفكر القارئ .

الدورة الخالدة : كل حضارة لها دورة تاريخية فهي تنهض وتزدهر ثم تنهار وتنتهي بسبب أوضاع ما ولكي يتمكن المجتمع الإسلامي من مواجهة التحديات أن يعيي في أي مرحلة هو وأسباب التقدم والتخلف ويرد مالك بن نبي سبب التخلف لجهل منطلق التاريخ واستيراد الحلول التي لا تتلاءم مع الحالة الإسلامية الاجتماعية حيث يكمن العلاج في توافق الزمن مع الأفكار أي كل مشكلة تستند لزمنها ويتم إيجاد حلول لها حسب وضعها الحالي حيث يجب أن تكون تلك الحلول حاسمة ومفصلة وغير سطحية وتحقق شرطين هما :

-مطابقة التاريخ للمبدأ القرآني : إن تشكيل الحضارة في نظر مالك بن نبي تكمن في وجود الفكرة الدينية كعامل نفسي لتقوم بمزج العوامل المادية الثلاثة : التراب ،الإنسان ،الوقت ثم يتطرق لتحليل أدوار الحضارة حيث يقدم دراسة للحضارة الإسلامية والمسيحية حيث أن الحضارة الإسلامية لم تنطلق من العلم أو الصناعة وإنما من لحظة نزول الوحي الذي كان الدافع الرئيسي للحضارة حيث  كانت من طرف أناس بدويين وجههم الإسلام لبناء مجتمع جديد بفكر مختلف الذي غاز العالم لاحقا وبذلك فانطلاقتها كانت روحية بحتة ثم في حادثة الصفين فتطورت لتصبح عقلية وعلمية ،ثم يتطرق لأسباب انهيار الحضارة فيردها لإتباع الغرائز وعدم تتبع القواعد الروحية والعقلية وبذلك يعود للمرحلة البدائية حيث سماها بالسياسية ثم يعرض دورة الحضارة المسيحية التي واجهت صعوبة كونها نشأت في بيئة مستهلكة أوروبية تحتوي على خليط ديني وفكري سابق  وهنا لم تستطع التأثير مثلما فعل الإسلام فأثرت فقط على الجرمانية لأنها كانت أرض خصبة ومن هناك تشكلت الحضارة المسيحية لوجود العوامل المادية الثالثة وبروز الفكرة الدينية ثم خرجت من مرحلة الروح إلى مرحلة العقل وانتشر العلم والاكتشافات التاريخية والفلسفة والمشكلة التي واجهتها هي فكرة الشيوعية كونها تنطلق من المادة وليس من الروح .

 

-إمكانية تطبيق المبدأ القرآني الآن: بعد أن عرض الشرط الأول يُعقبه بالتساؤل حول إمكانية تطبيقه على الشعوب الإسلامية الراهنة حيث أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان لتشييد الحضارة والعلماء الجزائريين كانوا بإمكانهم تحقيق النهضة لولا أنهم انسياقهم خلف السياسيين وانصهارهم في حركتهم وهذا ما شكل الأزمة إذ يجب تصحيحه وتقويمه بالعودة للأصل .

 

العدة الدائمة : يقصد مالك بن نبي بالعدة الدائمة العوامل المادية : الوقت ،التراب، الإنسان التي تمثل العناصر الأولية والضرورية لتحقيق الحضارة أما بقية المنتجات فما هي إلا مكتسبات يمكن تعويضها .

أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة :  يتوسع مالك بن نبي حول الفكرة التي طرحها سابقا وهي أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة حيث يقدم تحليلا نفسيا هذه المرة حيث شرع في عرض آراء المؤرخين  حول تكوين الحضارة حيث انقسموا حول من قدموا مجرد لملمة للوقائع التاريخية وآخرون يردونها للمادة مثل "ماركس" ونزعته الاشتراكية وآخرون يردونها للروح ويقصد هنا الدين مثل ما ذهب إليه "كسر لنج " وآخرون ردوها للعقل وثماره المعرفية مثل "شنبجلر" ،ثم يقوم مالك بن نبي بتقديم تحليل مفصل يخصه فيضع مخططا للحضارة يبدأ بالميلاد الذي يتزامن مع ببزوغ فكرة دينية (الروح) والسند المحسوس لها حيث تتولى هذه الأخيرة إخضاع غرائزه والسيطرة عليها وفق قواعد محدودة ومنعها من التمرد وبذلك تخرج الإنسان من حالته البدائية الحيوانية لإنسان حضاري واعي  ثم ينتقل المجتمع إلى المرحلة الثانية وهي الأوج حيث يسلك منعطفا جديدا بسبب ظهور مشاكل وضروريات جديدة ، غير أن ثغرة هذه المرحلة أنها لا تسيطر على الغرائز وعندئذ تتحرر رويدا حيث ينخفض مستوى الأخلاق رغم ازدهار العلوم والفنون ثم تأتي المرحلة الأخيرة حيث تتحرر كل الغرائز وعجز الفكرة الدينية على إصلاح الوضع فتعم الفوضى وينتشر الجهل وهنا أتم المجتمع دورته الحضارية ،ثم يميز بين الإنسان الطبيعي الذي يمتلك القابلية والاستعداد لإنتاج الحضارة أما الإنسان الذي خرج من الحضارة فإنه مستهلك ولا يستطع استعادة حالته الطبيعة وذلك الاستعداد لتشكيل الحضارة مرة أخرى ولكن ما يبث ذلك الاستعداد هو الفكرة الدينية كونها تعالج المشكلة النفسية والاجتماعية لتوضيحها الرؤية الاجتماعية المغزى منها غير أن المجتمع يحتاج لتحدي معين يبث فيه غريزة المواجهة للبقاء .

العنصر الأول :الإنسان

يتطرق مالك بن نبي لدراسة مشكلة الإنسان حيث أن المشاكل الإنسانية متنوعة وتختلف حسب المجتمعات والأزمنة فالدول المتقدمة مشاكلها متعلقة بحاجات غير مشبعة وديناميكية مضطربة وهي تحتاج لمؤسسات أما المجتمعات المتخلفة تتعلق بالعادات الراكدة وهي بحاجة لرجال يعرفون كيف يستغلون العوامل المادية لتحقيق أهدافها ثم يصنف سكان الجزائر ،يوجد نوعان النوع الأول الذي يعيش بالمدينة وهو معطل عن العمل ،خاضع للإدارة الفرنسية ،قلة منهم يشغلون مناصب حيث يشكل نقطة التعليق لكونه فسخ الحضارة وأصبح مستهلك أما النوع الثاني الذي يعيش بالبادية ،يسعى للعمل رغم العدم و هو نقطة الانطلاق .

فكرة التوجيه:يقصد بها تنظيم الثروات والطاقات المحلية لتحديد دور كل عنصر من أجل تحقيق الحضارة بتوجيه الإنسان والثقافة ومختلف الجوانب الحياتية فسبب تخلف المجتمع الإسلامي يكمن في كون الثروات وجهت بطريقة خاطئة.

توجيه الثقافة: يُعرف الثقافة بمفهومه الخاص على أنها مجموع الصفات والقيم والأخلاق التي يأخذها الإنسان من مجتمعه والتي تحدد طريقة تفكيره ومنظوره للأشياء وسلوكياته وتتحكم في طباعه وهنا تكمن خطورتها ،وعليه يجب تصفيت العادات والتقاليد في إطار الاجتماعي والخُلقي ليكن هناك مجال للعوامل المُشكلة للحضارة  وقد حدد القرآن الكريم ذلك لتتناسب مع المنظومة الفكرية الإسلامية ومحاكمتها للشرع من حيث القبول والرد  ثم رسم طريقا للفكرة الإسلامية الصافية  نحو المستقبل حيث يتم ذلك بإحياء :

-المبدأ الأخلاقي.

-الذوق الجمالي.

-المنطق العملي.

-الصناعة.

الحرفية في الثقافة: يرى مالك بن نبي أن الثقافة قد انحرفت عن مسارها المؤدي للحضارة لتوظيفها لخدمة المصالح الشخصية والمادية دون السعي لتكوين مجتمع متحضر ولذلك يتوجب إعادة وضع الثقافة في مستواها الحقيقي وإقامة نظام تربوي لتوعية جميع الأفراد ونشرها بينهم.

معنى الثقافة في التاريخ:إن تاريخ المجتمع هو ما يشكل ثقافته ،يكون العادات والتقاليد ويورث العبقريات والأذواق ويمده باللمسة الحضارية الخاصة وباختلاف التاريخ تختلف الثقافة .

معنى الثقافة في التربية : الثقافة هي ما يربط جميع طبقات المجتمع ببعضها البعض ويحمل أفكارها وهي ما يؤدي بهم للتطور والتحضر ،وبذلك فهي تجمع كل الأفكار والأذواق لتشكل مركب اجتماعي .

 

التوجيه الأخلاقي:تكمن أهمية الأخلاق في نظر مالك بن نبي في قدرتها على إنشاء قوة التماسك الحضارية الضرورية في مجتمع يريد تكوين الوحدة التاريخية فهي تبني العلاقات الاجتماعية خاصة التي تحيي الصناعات والفنون أي أن كل المنتجات المادية هي نتيجة تعاون عملي من طرف شبكة علاقات اجتماعية مبنية على أسس أخلاقية دينية من طرف أفراد تجمع بينهم روح الجماعة .

التوجيه الجمالي :ذكر مالك بن نبي في هذا الفصل أن الصور الشكلية هي مصدر الأفكار ومصنفة الذوق،فالجمال هو الذي يجعلنا نستحسن أمرا ونستقبح آخر ،كما أنه يسعى لحل المشاكل ويؤثر على الأوضاع الاجتماعية وهو الإطار الذي يُشكل الحضارة .

المنطق العملي :ويقصد به العمل التطبيقي أي استخراج كل  الفوائد الممكنة من وسائل معينة باستغلال الإمكانيات والوقت والتقليل من المحاولات العشوائية وهذا ما يفتقده المسلم الحديث ولذلك يتعذر عليه تحقيق مشروع النهضة إذ عليه أن يطبق القيم والأفكار الإسلامية بدل التغني بها وبذلك ينتقل من وضع الكلام إلى وضع العمل .

الصناعة: يرى بن نبي أن الصناعة وسيلة تمكن المجتمع من المحافظة على كيانه واستمرار نموه كما أنه يؤكد على ضرورة إنشاء مجلس يقوم بتوجيه الفن لحل المشاكل المتعلقة بالتربية المهنية ووصى على بصناعة الفرد الحامل لرسالته في التاريخ .

المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي في بناء الحضارة :إن الإنسان كائن اجتماعي يهدف في تواصله مع الآخر التعبير على الجمال بطريقته فالمرأة تراه في الأنوثة والرجل يجده في القوة كما أنه يسعى لتكوين علائق خاضعة للمبدأ الأخلاقي أي أن الفرد هو المنتج للأخلاق والجمال من عاداته وتقاليده أو في الثقافة بكل أجزائها المتماسكة المترابطة والمتناسقة مع أخلاق وذوق وتاريخ الشعب وكلما كان المجتمع متطور كلما كانت أقرب للكمال والمثالية كما يرى مالك بن نبي أن هناك صلة بين المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي باعتبارهما يحددان الطابع الثقافي واتجاه الحضارة وقد صاغها في الطريقة الجبرية التالية :

مبدأ أخلاقي +ذوق جمالي=اتجاه الحضارة

وهي تعني أن المجتمع يخضع للمبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي حسب النموذج المتعامل معه ولذلك يختلف الفكر من مجتمع لآخر لتباين مفهوم الجمال والأخلاق بين المجتمعات حيث أن تقديم  القيم الجمالية على القيم الأخلاقية يؤدي للسيطرة والإجبار أما تقديم القيم الأخلاقية على القيم الجمالية يؤدي للتحجر والجمود  كما أنهما يؤثران على كل المجالات : الأسرية ،الأدبية وحتى السياسية ،لذلك حث بن نبي على تتبع مفعول علاقة (مبدأ أخلاقي +ذوق جمال) في مركب الحضارة لمعرفة الثغرات التي قد تنتهي في آخر المطاف إلى  خلل في توازن الحضارة وكيانها.

 

توجيه العمل: توجيه العمل هو الحلقة الثانية من مشكلة الإنسان وثغرته هي عدم وجوده في العالم الإسلامي فالسائد هو مجرد قتل للوقت فقط مع غياب التوجيه فالعمل هو الذي يحدد دور الأشياء في إطار اجتماعي ويجب تجاوز المكسب المادي الذي ينتجه والارتقاء لتوجيهه بمعناه المادي والمعنوي بتسيير الجهود الجماعية في اتجاه واحد أي يساهم كل فرد بمهنته في عملية  بناء وخلق بيئة جديدة وبهذا يأخذ العمل معناه(كسب العيش لكل فرد) ويتحد مع توجيه الثقافة وتوجيه رأس المال ويستشرق آفاقا جديدة وكلما تطور التوجيه كلما تحسن المستوى المعيشي الاجتماعي .

توجيه رأس المال: رأسمال هو آلية اجتماعية تحقق التقدم المادي حيث يغيب رأس المال في الدول الإسلامية فالموجود فيها هو الثورة وهي المكاسب غير متحركة وغير داخلة في الدورة الاقتصادية تسد حاجيات في إطار محدود ،والمشكلة في نظر مالك بن نبي تكمن في الركود حيث دعا إلى توجيه الثروة بتحويل معناها الاجتماعي من مجرد أموال راكدة إلى رأس مال متحرك ينشط العمل والفكر بشرط أن يكون هذا المال ذا طابع ديمقراطي وليس إقطاعي يقتصر فقط على فئة معينة فقط  ويجب إسهام كل طبقات المجتمع وبذلك تتحقق مصلحة الجماعة ويعم العدل ويضاف هذا التوجيه مع توجيه الثقافة والعمل وبذلك تتوفر كل الشروط الضرورية لتشييد حضارة تطابق إطار الفرد المسلم .

مشكلة المرأة: لم يعتبر مالك بن نبي مشكلة المرأة مشكلة منعزلة عن مشكلة الرجل فهما معا يشكلان مشكلة واحدة وهي مشكلة الفرد في المجتمع ،والفرد يشكل عامل مهم في تحقيق النهضة ،حيث يرى أن أول خطوة لحل مشكلة المرأة هي عدم المقارنة بين الرجل والمرأة أو محاولة إيجاد قيمتها فهذا مجرد افتراء وخلق الفتنة ،وعدم تتبع أقاويل دعاة التحرر أو حتى الذين يرغبون في إقصائها من المجتمع ،فهو يرى بأن كلا الطرفين تدفعهم الغريزة  فدعاة التحرر يريدون تحرير المرأة من عفتها وتخرج لهم في زينة كي توقظ غرائزهم وترضي شهواتهم أما الذين يريدون إبعادها فهم يدافعون عليها بدافع الغريزة الجنسية أيضا .

ولكي تحل مشكلة المرأة يجب التحرر من النزعة الجنسية أولا ثم إيجاد حل تكون فيه مصلحة الجماعة لا المرأة وحدها ،كما أن تقليد المرأة المسلمة للمرأة الأجنبية لا ينفع وخلق ثغرة خطيرة في المجتمع فمشكلة المرأة المسلمة مشكلة إنسانية تتوقف على تقدم المدنية ،فالمرأة الأوروبية تم استغفالها ودفعها نحو الخطر تحت شعار التحرر وبذلك فقدت وظيفتها الأساسية وهي حفظ الأسرة وبقاء المجتمع ثم يقترح أن تعقد نساء العالم الإسلامي مع علماء التربية والأطباء وعلماء الاجتماع وعلماء الشريعة وغيرهم لكي يتم مناقشة المشكلة وتحليلها لتحديد مهمة المٍرأة وتكون نتيجته وضع منهج صحيح وسليم لحياة المرأة وبذلك تتحقق مصلحتها ومصلحة المجتمع . ثم يرد عمل المرأة الأساسي لبناء الأسرة فالمرأة المسلمة قد قلدت الأجنبية في عملها وبذلك تخلفت عن ذلك ونتج عن غيابها ،حضور المرأة الأجنبية في شعور شباب اليوم المسلم مثلا في الجمال ،ولا يزال مصير المرأة المسلمة مجهول وفقا لتغيرات الحياتية الخاضعة للتطور وفي الأخير يؤكد على ضرورة تحليل المشكلة بانعقاد مؤتمر ثم تنفيذ ما تم توصل إليه فالحلول النظرية لا تغير شيئا من الواقع .

مشكلة الزي: اعتبر مالك بن نبي الملبس إحدى عوامل التوازن الأخلاقي الاجتماعي وقوة مؤثرة على مرتديها حيث دعا إلى مسايرة النهضة في اللباس أيضا  والتغيير اللباس حسب مقتضيات الحالية بدل التقليد الممل .

الفنون الجميلة : يرى بن نبي أن الفن وسيلة للتأثير في الأنفس ،حيث يكون تأثيره ايجابي أو سلبي استنادا على وسائله وهدفه ورسالته ،فالفن في العالم الإسلامي لا يتعدى تلك الصورة الجنسية ولا يتعدى الفنون المتداولة(الموسيقى ،الغناء) ومعظمه لا يحتوي على أي قيمة تربوية أو معنوية ،فهو يدعو لتهذبيه أولا وزرع القيم الأخلاقية والجمالية فيه ثم يؤكد على ضرورة جمعه مع العبقرية والجهد الشخصي والموهبة فالموهبة المجردة سرعان ما تختفي دون جهد والجهد دون إبداع لا يحدث تأثير . كما يدعو إلى تبسيط الفن واندماج الفنانين في المجتمع بدل التعالي وتعقيد الفن ،فالفن رسالة سامية.

العنصر الثاني :

التراب: يعد التراب عاملا من عوامل الحضارة  حيث تناوله مالك بن نبي من قيمته الاجتماعية لا من ناحية خصائصه وطبيعته ،فهو يستمد قيمته من قيمة مالكيه وكيف يقومون باستثماره  ،فأرض البلاد الإسلامية تعاني شيئا من الانحطاط والتهميش فغزو الصحراء للشمال يتزايد ولم يتدارك سكانها ذلك ،إذ أنهم الهروب بدل المواجهة وإيجاد حلول وبذلك يتبخر التراث الحيوي وانقرض رجل الفطرة والتأثير سلبا على مصلحة المجتمع بأكمله وموت الأرض الذي أدى إلى تدهورات اقتصادية ومع إبراز الواقع المرير عقب بن نبي بالتخطيط لإيجاد حلول وتوصل إلى أنه يتوجب القيام بعملية التشجير واستصلاح الأراضي وترميز الرغبة في البقاء بالشجرة .

العنصر الثالث الوقت : يعد الوقت من عناصر تشكيل الحضارة حيث يكون ثروة أو عدم حسب استغلاله ويختفي العدم عندما تستيقظ في الشعوب غريزة البقاء،ومشكلة العالم الإسلامي أن وقتهم ينتهي للعدم فقط  فهم لا يدركون معناه ولا تجزئته الفنية وبذلك تغيب الإنتاجية ويعم الكسل والجمود لذلك وجد بن نبي أنه من الضرورة أن يفهم الشعب الإسلامي فكرة الزمن فاقترح حلا تربويا وذلك ببث تجربة يتعلم فيها أفراد المجتمع القيام بعمل ما خلال نصف ساعة فقط وبذلك يتكون لديه الانضباط والفعالية وكلما تكاثفت الجهود وطالت المدة تحققت المصلحة الحياة الإسلامية في جميع مجالاتها الحياتية وتحققت النهضة الحقة .

الاستعمار والشعوب المستعمرة –المعامل الاستعماري- :يرى بن نبي أن المعامل الاستعماري مجرد وهم صنعه المستعمر لفرض سيطرته على الفرد المُستعمر فقيد قيمه الصناعية والخامة بتقييد عبقريته وتحطيم قواه وتنقيص من شأنه ووضع العقبات في طريقه وسلبه كل طريقة تمكنه من إقامة حياته ونشر أفكاره وبذلك فهي تعجزه وتحطمه بطريقة غير مباشرة لإدراك المستعمر لقوته ثم يتطرق لأصل الاستعمار كنكسة إنسانية أصوله رومانية وأعقبها العالم الإسلامي إذ اختلافا في التفرقة السياسية فالإسلامي افتتاح الأراضي وكانت شعوبهم موحدة بالإسلام  أما الرومان وغيرهم قد غزو وسلبوا ،غير أن الكاتب في نهاية الفصل لا يرى الاستعمار بتلك السلبية إذ فيه جانب إيجابي بل إنه قد أحيا الشعب المستعمر من جديد من سباته العميق ،خاصة أنه لا يستطيع التصرف في الزمان والمكان وتقييد العبقرية وبذلك يستطيع الفرد المسلم أن يحط كل المعتقدات الباطلة التي ورثها له الاستعمار ويبدأ في تشييد الحضارة من جديد .

معامل القابلية للاستعمار:  يعد مالك بن نبي القابلية للاستعمار عاملا باطنيا للخضوع للاستعمار وهو تقبل الرجل الأهلي لصبغة الاستعمار ويعيش وفق الحياة التي رسمها له ويكبح عبقريته وأفكاره لتغيير واقعه ،أما العامل الخارجي فهو يعمل المستعمر على تجهيل شعبنا كي يستغلنا ويعدم فرص العمل كي نخدمه بثمن بخص ويجردنا من أخلاقنا كي يعم الاضطراب الاجتماعي في مجتمعنا ويغرس الفتنة بين الأعراق كي يفرقنا .والحل عند بن نبي يكمن في في التخلص من الرضوخ للاستعمار من الناحية  الواعية والغير الواعية ودراسة مرواغة المستعمر والعمل على نقاط ضعفنا وتداركها .

مشكلة التكيف: في ختام كتابه سلط الضوء على ردة فعل الشعوب المستعمرة نحو الاستعمار حيث أنها تكيفت مع الوضع الاستعماري مما أدى إلى ظهور مجتمع مضطرب بعدة نزعات مختلفة واستعدادات متناقضة في واقعنا الحالي ولذلك تختلف الأحوال الاجتماعية من ناحية التفكير والملبس وغيرها وحتى في الأوساط العائلية نجد شروخات واضحة مما يؤدي إلى الاصطدام .ثم قدم دراسة لمشكلة الحضارة حيث يرى بأنه يجب تدارك السلطة الوثنية التي تتحكم في البلاد وإزاحتها وعدم الاستسلام لوضع المجتمع الإسلامي على سكة الحضارة والتقدم نحو الأمام والتغلب على العثرات ونشر ثقافة يشترك فيها جميع الأعراق والطبقات وبذلك سيستعيد المجتمع توازنه الذي فقده .


الخميس، يونيو 2

سيرة مالك بن نبي .. ملخص لكتاب مذكرات شاهد للقرن



تلخيص الكتاب :

القسم الأول:الطفل 1905-1930: استفاد الكاتب من عام مولده 1905 إذ مكنه من أن يكون شاهدا للقرن باتصاله بمن بقوا أحياء من الماضي وأول مكتشفي المستقبل،فاتصل بالماضي عن طريق حكايا جدته "بايا" التي كانت لها دور في تشكيل وعي مالك بن نبي وكان لها الأثر الأول في تكوين شخصيته لأنها ورثت لعائلتها قصصا لمعاناتها إبان دخول الفرنسيين للجزائر فكانت نافذته الأولى على جرائم الاستعمار ،أما جده فهاجر مع الموجة الأولى لطرابلس الغرب وكانت تعبيرا لرفض المستعمر في مختلف المدن التي تردت فيما بعد أحوالها الاجتماعية وخضعت لنمط الاستعمار وتخلت عن عاداتها الدينية والخُلقية فشاع النمط الأوروبي وانتشرت الجالية اليهودية لدرجة أن العروبة الأصيلة تقلصت للأرياف ،رفض المسنون تلك الحال وهاجروا للأرياف من بينهم جد مالك بن نبي الذي تخلى عن دخله وجمع ما استطاع ورحل فعاش حياة الفقر والعسر وفي وقت ذاته شيدت جدة أمه قيمه الأخلاقية بتحديثه عن قيمة العمل الصالح والثواب وبذلك تشكل خلقه الإسلامي ،كانت والدته مضطرة للخياطة كي يأكلوا على الأقل وكانت حريصة على تعليمه القرآن الكريم لدرجة أنها باعت مال سريرها لدفع تكاليف معلم القرآن ، لقد كانت تبسة محمية من الغزو الأوروبي ولم تُفسد نظمها الأخلاقية والاجتماعية وحافظت على عروبتها لأن تضاريسها لم تستهوي المستعمر ،بقيت ألعاب الأطفال بسيطة بسيطة وصلبة ، أما قسنطينة فقد تأثرت بالنمط الاستعماري لأنها احتوت على الضحايا الإدارية للأوروبيين  أما ألعاب أطفالهم كانت أكثر أناقة من التبسية انتشرت الكنائس ،بعد تحسن الوضع المادي لعائلته وحصول والده على وظيفة بعدما كان عاطلا عن العمل ،تم إرسال مالك بن نبي إلى مدرسة فرنسية للصف الثالث وحافظ على المدرسة  القرآنية إلا أنه لم يستطع التوفيق بينهما فانقطع عن المدرسة القرآنية ، في نفس الوقت ظهر حدث مختلف وهو الانتخابات ،فبرز الصراع  السياسي بين عباس بن حمونة الذي قدم للحكومة الفرنسية مطالب الشعب مع بن رحال وأول من سن العربية في البلاد وبن علاوة مناصر الإدارة وانتهت بإخفاق صالح بن حمانة الذي أُغتيل لاحقا وشددت الحراسة العسكرية بعد وفاته ،اندلعت الحرب العالمية الأولى واضطربت باريس وسار أهاليها في مظاهرات لكن في تبسة كل شيء مضى بشكل عادي لكن مع مرور الزمن تداركت ذلك إذ بدأت حملات المتطوعين تغادر المدينة والحدود التي وضعها المستعمر وظهر الأدب الشعبي الذي يستحضر البطولة وفي ضرم تلك الأحداث أرسلته والدته إلى قسنطينة للتعرف على جده الذي عاد من طرابلس بعد أن احتلها الإيطاليون وخالته بهيجة وأعمامه ،إرساله إلى هناك لبى رغبته الخفية للعودة هناك بعد وصوله تجول ثم سلمه والده للرجل صاحب المقهى ليسلمه لخالته بهيجة التي كانت تعيش في واحدة من البيوت التي تجمع مختلف أصناف الطبقات بدخل تقاعدي فاستقبلته بحفاوة بالغة وتعرف صباحا بجده الذي شكل معلوماته التاريخية هو الآخر حول موضوع الحرب على الصعيد العالمي  أما شقيق جده محمد فكان متصوف لا يتكلم مع أحد فلم تسنح له الفرصة للتعرف عليه ،انبهر بالحياة الحضارية هناك وشاكس كثيرا  فاضطرت خالته لإعادته لأهله في تبسة التي لم تتغير عن سابقها ،كان منضبطا في تأدية فروضه ،بدأت رحلة مطالعته متأثرة بالمدرسة الفرنسية فكان يتفرغ من واجباته يوم الأحد وقضائه عند بقال الحي حيث وجد أجزاء الحرب مطبوعة فالتهمها قراءة مما زاده قربا للساحة النزاع العالمي وبعد أيام كانت الطائرات الألمانية تقضي على باريس وبهذا تزعزع حال الفرنسيين في تبسة وفي الحادي عشر من تشرين الثاني من 1918 بدأ الجزائريون يتحدثون عن النقاط الأربع العشر ل ويسلون وتوسيع المشاركة في الانتخابات البلدية وقد انقسم لمجموعتين  وظهرت مطالبة الشعوب بحق تقرير المصير أما الإمبراطورية العثمانية أصبح تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية أما فيصل ابن مكة طُرد من سوريا  ودخل الجنرال غورو لقبر صلاد الدين والإنكليز شرعوا يقيمون الكيان الإسرائيلي بفلسطين ،أما أمريكا فأصبحت قطب العصرانة في مختلف الميادين حيث تربع الدولار على المبادلات ،أما لينين قضى على ويجان ليشيد عالما جديدا أما في تبسة استمرت الحياة على عاديتها لكنها كانت تتغير ببطء وفي يوم اندلعت حرائق كبيرة في سهول تبسة ففقدت مروجها وخصوبتها وفقد معها التبسيون قوته وانقطعت جموع البقر وحل محلها الطرقات والسيارات وتم تأسيس أول شركة سفر وفي ضمن تلك الأحداث فقد نجح بن نبي في الشهادة الابتدائية وحصل على منحة لمتابعة المرحلة التكميلية في قسنطينة في مدرسة سيدي الجلي بعد إتمامه أربع سنوات بتفوق ،أتى يوم الانتقال إلى قسنطينة فشد الرحال إلى بيت عمه محمود وزوجته حيث عاش معهما حرا أكثر من ذي قبل فتعرف على الحياة الفرنسية واليهودية أكثر عن طريق الأحياء المختلطة ،دخل لمدرسته التي كانت تُكون العدول والمعلمين ومساعدي الأطباء وميزت بين أبناء الجزائرين بين فريقين فريق سهل له الانتساب للمدرسة لاتصال آبائه بالإدارة الفرنسية وهم الأطباء ومساعديهم وكونتهم دون شخصية ورضوخ للمستعمر مثل فرحات عباس أما الفريق الثاني كان العدول الذين حملوا في قرراتهم مسؤولية الرسالة القومية  ،مسايرة لرغبة عائلته فقد درس القضاء الشرعي وسجل في الوقت ذاته في دروس الشيخ عبد المجيد حيث ساهم في شكل كبير في غرس الكره للسياسية التعسفية للمستعمر وبث فيه حب الثقافة العربية بتلقينه دروس النحو أما أساتذته الفرنسيين فقد أخذ منهم فن الكتابة وعادة القراءة ،أما أصدقائه صالح بن حليمية وحمزة بوشوشة كان يتسكع معهم حبا للدراسة معهما ، أما الصحافة هناك فقد دخلت حيز الرفض العلني للاستعمار بإصدار أول جريدة باللغة العربية "النجاح" لكن مواضيعها كانت ركيكة

أعلنت الامتحانات على نهاية السنة الدراسية التي توج بها بالتفوق والقبول في المدرسة وبعدها عاد لتبسة وهو يحمل فخره على كتفيه ، حيث وجد أمه قد نقلت لتونس لاجراء عملية جراحية لكنها فشلت فقضى معظم وقته معها وما تبقى بالتسكع مع أصدقائه وبعد مدة عاد لقسنطينة كطالب داخلي سرعان ما أقام صداقات فتعرف على فضلي وقاواو حيث كانوا يقضون معظم أوقاتهم فيما بعد في مقهى بوعربيط الذي ترددت عليه مختلف الأجيال من الطلاب الذي احتفظ بالتقاليد الشعبية حيث كانت تتردد عليه فئتين رواد الصالة الرئيسية الذين اتسموا بالرزانة والنقاش وحب الشعر  وزبائن الصالة الخلفية الثائرون المهتمين بالرياضة  وقد ساهم في زيادة متانة الصداقة الثلاثي ،كما انقسمت المدرسة إلى مجموعتين ،المجموعة الأولى طلاب السنتين الأولى والثانية أما المجموعة الثانية تشكلت من طلاب السنة الثالثة والرابعة وكان للمجموعتين أن تجلسا وتتجادل في مواضيع سياسية في المقهى ،بقيت الهواة بين الجزائرين ومعمرين قائمة فقام الأمير خالد يدافع عن الشعب الجزائري ومصطفى كمال الذي تحدى هو الآخر المستعمر أما بن نبي بدأ في قراءة مؤلفات أدبية  منها فاقدات السعادة والرجل الذي اغتال حيث كونت لديه معرفة بالنكبات الشرقية ، واستمر تكوينه الروحي و الإصلاحي  مع الشيخ مولود بن موهوب الذي حافظ على الحركة القديمة بينما كانت الحركة الإصلاحية لا تأبه للظروف المحيطة وطالبت بالتجديد وبهذا تأرجح بن نبي بين المحتوى الديكتاتوري الفرنسي والتكوين الإصلاحي لكنه لم ينجرف وراء الرومانطيقية بفضل كتابين هما الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق ورسالة التوحيد إذ قرباه من مشهد الإسلامي أكثر ،تعرف بعد ذلك ب محمد بن الساعي ابن باتنة المثقف باللغتين العربية والفرنسية وخير قدوة ،غيرت المدرسة شيئا من أسلوبه في اللباس فتعلم وشع الشاشية وربطة العنق بعد مدة توفي عمه محمود وعاد يتردد على خالته بهية التي عانت من الفقر لاحقا في الحي نفسه  كل العائلات قد تغير حالها البعض هاجروا والبعض غيروا نمط حياتهم صاحبه تغير على المستوى مدرسة إذ غير الطلبة مقهى بوعربيط  بمقهى قرب حانة يدعى "بوكاميه " وبهذا ساد الانحطاط لكن بن نبي كان يفصح عن أفكاره الإصلاحية لتغيير الوسط بطريقة تخلي من الرقة وبعدها تردد على بعثة تبشيرية وتعرف على الإنجيل واكتسب ثقافة مسيحية وفي الوقت ذاته تعرف على تلامذة الشيخ بن باديس الذين حضروا للدفاع عن الإسلام وعندها أدرك أنه ينتمي إليهم في أفكارهم وبذلك شعر في رغبة باللقاء بالعلامة عبد الحميد ابن باديس بعدها وقع خلاف بين اليهود والفرنسين بسبب جريدة استفزت اليهود وانتهى بمظاهرة يهودية لمعاقبة الجريدة .لم يكن يذهب لتبسة إلا في العطل فعلم من حليمية أن الحياة لا تزال على مجراها المتروك عليه ، أقبلت الامتحانات مرة أخرى حيث كانت تفسد مظهر الطلاب لانشغالهم في الحفاظ على منحهم الدراسية سواء بالدراسة أو الغش وكانت نتائج أن مالك بن نبي وصديقه حليمية قد نجحا بعد الإعلان انصرف الجميع لتنظيف نفسه والبحث عن هدايا يعود بها لعائلته ،عاد لأهله وكانت أمه لا تزال مريضة يعتني بها الدكتور فيكاريلا بثمن قليل وإنسانية أكثر والإيمان ببركة الشيخ سليمان الذي كان يحب رؤية ديكيه يتقتلان أمامه لكنه كان يحل الخلافات العائلية من جهة أخرى ويحضر الأحداث الاجتماعية من زواج وطلاق وكان يغير الطبع البربري فيختطب يوم الجمعة داعيا لترك العويل والصخب وببطء أصبحت تبسة أكثر هدوءا ،رغم أنه لم يتبنى الفكرة الإصلاحية إلا أنه كان يطبقها ، بدأت تبسة تستقبل العلماء العائدين من الشرق وبذلك أصبحت قطبا ثقافيا تتزاحم فيه الأفكار تحت إشراف الشيخ محمد بن إبراهيم وراعه بعده الصدوق بن خليل ثم الشيخ عسول ثم الشيخ العربي التبسي الذي أمجها في الحركة الإصلاحية لاحقا  أما الشيخ سليمان استلم القيادة الروحية والدينية كانت نقطة تحول للعادات بطريقة غير مباشرة فأهملوا حديث المقاهي وانصرفوا إلى الحلقات لكن المظهر الخارجي تفرنس ،أما اليهود فقد تحسن وضعهم ودخلوا التجارة من بابها الواسع وتخلوا عن صب المعادن وقد اختلط الجزائريون بهم وبالفرنسين في الحفلات الراقصة . كان الأمير خالد قد أصدر جريدة " الإقدام" أما دندان أصدر صحيفة "الراية" أما الصحافة التونسية أصدر "العصر الجديد" باللغة العربية حيث اهتمت بالعالم الإسلامي .بعد انتهاء العطلة عاد لقسنطينة  حيث زار خالته بهية فوجدها أكثر فقرا لكن بيتها كان يجسد الثقافة الحقة ولأجواء المدرسة المعتادة المتأرجحة بين السينما ومقهى بوكاميه وقد فتح بن يمينة مقهى جديد بقر شركة بن باديس حيث تهافت عليه المدرسيون ،الأمر الذي مكن بن باديس من معرفة ابن باديس أكثر وثد كان يصدر مجلة الشهاب بعد مجلة المنتقد التي تم منعها لاحقا من قبل الإدارة المحلية وفي تلك الفترة تسرب لبن نبي حلم الهجرة إلى "تمبوكتو" وتتابعت رحلة التكوين الدينية لديه مع مختلف الكتب من بينها "في ظلال الإسلام الدافئة "وكتاب "أم القرى" أما الصحف قد أضفت بعدا قوميا منها "الإنسانية "،"الكفاح الاجتماعي" والطاغور الذي بث فيه روح التحرر من قيود الاستعمار والعبودية  وقاده أكثر نحو الإسلام  تسربت أفكاره لزملائه لكنه لم يرق لمدير المدرسة الذي أخذها كنوع من التمرد عالجها بتهديد منه . في تلك الأثناء كانت أوروبا تخضع لتغيرات كثيرة فقط سقطت جمهورية ويمر وفر الإمبراطور الهولندي من الحكم ولينين ثبت حكمه في موسكو أما الصحراء الجزائرية استقبلت السياح الأمريكيين أما الأب "زويمر" عمل على تنصير المسلمين و"لافيجاري" أسس الأخوية الآباء البيض قبله لتنصير القبائل وبسكرة وبذلك الدخول في صراع ديني بين الإسلام والمسيحية .عادت فترة الامتحانات مرة أخرى والجو المضطرب ونجح هو وصديقه حليمية مرة أخرى وعاد لتبسة بعد عطلة الامتحانات ،تزوجتا شقيقاته وقد تحسنت حالة أمه ، عاد للهو مع أصحابه وجو تبسة الفاتن وقد كان الشيخ سليمان يكمل رسالته الإصلاحية والشيخ الصدوق وعسول يتنفسان على استقطاب شباب تبسة ولكن بعد عودة العربي التبسي أصبحوا رواد مواعظه  وكان هو الآخر يلقن أصدقائه بما يعرف من أخبار الشيخ بن باديس والطواطي

وقد أدخل صاحب المقهى الحي أسطوانة مصرية التي ساعدت لاحقا على تطوير الحس الفني والسياسي وفي الوقت نفسه كان الذوق الفرنسي يتأمرك ،انتشرت السيارات في المدينة أما العربات اختفت ، وقد عُين حاكم إداري جديد يهتم بشؤون الحكم ،وقد بدأ عصر جديد في تبسة من سباق للخيول وغزو الطائرات للسماء . انتهت فترة العطلة وحان وقت العودة لقسنطينة

تغير شكل المقاهي وكانت بداية مرحلة ما بعد النهضة ،ظهرت صحيفة جديدة باللغة العربية " أم القرى" وقد ضمت صوتها لجريدة "الشهاب" التي كانت مطبعته قرب مكتب الشيخ بن باديس وبذلك دخلت فإن الأفكار المتداولة محت المعتقدات الباطلة وشرعت تقسم الوسط لطبقات أما الشيخ محمد طاهر عنيزي غادر الجزائر مع والده سيدي حمدان إلى المدينة المنورة فتلقى تعليما هناك وعندما مات والده عاد إلى الجزائر لكنه لم يستطع التأقلم وكان ثائرا على الانحرافات كان ينتقد الجميع  وكان من زبائن مقهى بن يمينة فقد أثر على عقولهم بمغامراته ، أما مكتبة النجاح فقد مكنتهم على التعرف على يونس البحري الشاب الذي عصفت به الرياح من بغداد إلى الجزائر حيث كان يحمل كل الجديد  وقد أثار الخطر في الأمن فعين إسماعيل مسؤولا عليه ، انقسم مقهى بن يمينة إلى أشخاص يعملون على مستقبل أفضل وآخرون لم يتجاوزوا قصة ألف ليلة وليلة أما شوارع قسنطينة انقسمت اقتصاديا فأعمال اليهود ازدهرت أما ملكية الجزائرين نُهبت . أما بن نبي تابع رحلته في القراءة مع كتاب  ابن خلدون بالترجمة الفرنسية وكتاب لكونديلا الذي تمكن من تحديد اتجاه أفكاره رغم معاتبة المدير له القيام بالرياضة بدل القراءة لكنه لم يذعن له ، اجتاز امتحان آخر وقد نجح مرة أخرى وعادت الأحداث تنسج مرة أخرى ، شاع الحديث عن انتصار الأمير عبد الكريم على جنرال سلفستر أما ألمانيا فقد سلمت الحكم إلى الماريشال هندنبرغ وفي ايطاليا جماهير للدوتشي اقتحمت روما وبدأ غاندي يكتسب شهرة واسعة في العالم بسلميته ،عاد لتبسة مثل العادة فتأمركت هذه المنطقة أكثر واستولى المعمرون على أراضي أكثر ،عادت أمه للمشي على قدميه بفضل عكازين وعاد لأصدقائه ولا يزال سكانها يعيشون حياتهم العادية والبسيطة ومشاهدها المتكررة والقصص عن الجيش التي كانت تضفي نوعا من الحماس وتبدد الملل أحيانا أخرى ،عاد العربي التبسي من القاهرة وقد انقسمت المدينة لفريقين فريق تبع الشيخ سليمان والآخر العربي التبسي أما الشيخان عسول والصدوق بن خليل فقد تركا الصراع لهما . أما عائلته فقد بقيت تحت ولاء الشيخ سليمان أما مالك فكان في صف الصدوق بن خليل ،مضت العطلة وعاد لقسنطينة ،لاتزال الفئى الأوروبية في تزايد كبير ولا يزال الصراع قائما بين الأمير خالد ومورينو و صحيفة الشؤون العامة لقسنطينة سلطت الضوء على حرب الريف وبدأت أفكاره تتكون حول اجتياز الشمال من وهران لكن خططه كانت تفشل ،حرب الريف زعزعت الكيان الفرنسي وحطمت أسطورة أنه لا ينهزم عاد لديه الاهتمام بتمبوكتو بسبب الجولة الصفراء والسوداء سرعان ما بددها التساؤل عن المستقبل كيف سيكون ،كانت الآفاق تنحصر في الترجمة والقضاء الشرعي ،ربما الزراعة أيضا لولا أنها لا تمنح للمعمر فقط وقد بدد هذه التساؤلات مقهى بن يمينة كالعادة ،حيث كان يزدحم الشارع برجال الحركة الإصلاحية المتوجهين نحو إدارة الشهاب أو صدى الصحراء ،كما كان يمر بن باديس  وقد بدأ يلفت انتباه بن نبي الرجل المنفي حسن المعاملة ذو النزعة الإنسانية والإصلاحية و تنامت المقاومة بعد نفي الثعالبي ثم عاد أسئلة المستقبل بين الأصدقاء ففكر بالهرب إلى الريف مع شوت أو العمل مع حليمية مساعد مترجم أو السفر مع قاواو إلى فرنسا وبعد إعلان النتائج تخرج عام 1925 وراح يبحث عن الخطوة الموالية  فكتب إلى بن خلاف يسأله فيها المشاركة في تأسيس شركة تجارية ولم يرد عليه ،رحل شوت للمغرب وبقي قاواو وبذلك تمكن من إقناع بالسفر لفرنسا وقد نجح ،رحلا محملان بالأحلام لكنها اصطدمت بالواقع الذي يظلم أبناء المستعمرات  فقد تم رفضهما في المصنع وتشردا ثم وجدا عملا في مصنع اسمنت ثم سأما فعادا للجزائر للحصول على بداية جديدة ،تعرض للرفض مرة أخرى من ورقلة ثم شرع يطالب النائب العام بوظيفة عدل وبعد مرات كثيرة من الرفض بسبب سنه تم قبوله وتعيينه في أفلو كعون إداري فعاش حياة بسيطة وتعرف على الحياة هناك قبل أن يتسرب إليها مرض الاستعمار ،كانت فئاتها نبيلة وأصيلة مضيفة بحق ،وصاحب سي "عمر" الذي لم يشعره أنه غريب ورافقه دوما وبعد مدة عُين في محكمة أخرى وشاهد الممارسات الاستعمارية عن قرب فلم يرد أن يكون طرفا فيها وقدم استقالته ثم عاد لتبسة يبحث عن حل آخر للعيش حيث كان يشتغل صهره على تأسيس مطحنة وبذلك اشترك معه في تأسيسها لكن سرعان ما انسحب لأنها لم تحقق ربحا إضافيا إلا بسرقة الزبون فانسحب محافظة على مبادئه ثم وبدعم من والديه سافر لفرنسا لإكمال دراسته عام 1930 .

 

القسم الثاني الطالب1930-1939 :وصل بن نبي إلى فرنسا في أول شهر سبتمبر 1930 لمحطة ليون بباريس وهو مصمم على التقدم هذه المرة ،فاستقر في غرفة متواضعة في المنطقة العاشرة من باريس الذي كان مليء ببنات السوء لكنه لم يرعهن أي اهتمام ،كان يظن أن الآفاق ستجدد هنا ،بعد أيام سجل في معهد الدراسات الشرقية وبقي ينتظر في الامتحان مع التعرف أكثر على باريس وبينما هو يتسكع في إحدى شوارعها إذ به يجد لافتة كتب عليها

"وجبة طعام ، أربع فرنكات وخمسة وسبعون سنتيما" ولأنه كان يحاول الاقتصاد في المصارفي فدخل إلى مكان فوجده مظلما حتى خرج له رجل من الظلام سائلا إياه ما يريد فأخبره عن اللافتة  فابتسم له ومن هناك انضم مالك إلى الوحدة المسيحية للشبان الباريسين  التي كانت منظمة تنظم شؤون الطلاب المغتربين وكان مقرها مزودا بقاعة رياضة ومسبح وقاعة مطالعة فوجد فيها نوعا من الراحة ومع مرور الوقت كونت وعيه الفكري وتكوينه الروحي أيضا كما عرف الجانب الروحي عن قرب للفرنسيين بعدما رافق أحد أصدقائه لزيارة خطيبته في منزلها مع عائلتها الفرنسية واكتشف ،المستعمر كان يتجرد من حضارته عندما يكون في المستعمرات حان موعد الامتحان ، فاجتازه بدون أي خوف وكانت نتيجة راسب كما أكد له مدير المعهد أنه لا جدوى من محاولته وهنا أدرك لأول مرة أن أحلامه تلك لن يعيقه المقياس العلمي مثلما ستفعل سياسة المستعمر . وبعد أنا جالس صديقه " رونيه" وحكى له ما حدث عرض عليه فكرة الانتساب إلى مدرسة اللاسكلي فوافق وبدء في تعلم الرياضيات  والهندسة والكهرباء والميكانيك من جديد بجد فانتسب إلى درجة مساعد مهندس كما اطلع على الفن بزيارته المتكررة لمتحف الصناعات والفنون وبعد مدة تقلصت أحلامه لتنزوي في تحصيل العلم بلهفة لا غير ،زودته المدرسة بمبلغ لأجل مستحقات الورشة فنظم وقته ما بين المدرسة والوحدة وفي تلك المدة التي أقام فيه بفرنسا كان يجري ملاحظات عابرة يقارن فيها بين الفرد الفرنسي والجزائري كما استمرت محاوراته مع الوحدوين حول مختلف الأديان  كما بقيت أفكاره الوطنية والإصلاحية حاضرة دوما وبقي يعلن رفضه لاستعمار ،بعد مدة اكتشف في الحي لاتيني مركزا يضم صالح بن يوسف وثامر وسليمان بن سليمان من تونس وبلفريج ومحمد الفاسي من المغرب الذين كانوا يحاولون توحيد طلبة الشمال الإفريقي المسلمين في شارع " لودرو زولان" فانضم لهم   لكن عمل المستعمر على ردعه بضربه بجزائريين بربريين مسيحيين  لكن ما عابه مالك على النخبة الإسلامية هو حب الظهور في المراتب السياسية وإهمالها للمشكلات الأساسية للعالم الإسلامي ،بدأت باريس تستعد لمعرض المستعمرات محتفلة بجبروتها فوضع داخل سور المعرض متحف بطابع استعماري واستغل التجار المناسبة ، كان له جناح أيسر خصص للآباء البيض وجناح للكتب ،من بين الكُتب التي توزيعها "الرسائل الجزائرية" الذي كان فحواه نقد العادات والتقاليد الإسلامية حيث كان هدفه تنصير مراكش وهناك التقى بن نبي بوفد من تبسة طمأنوه على حال أهله فقرر قضاء الصيف في باريس ليس للدراسة وإنما للمعرض فلاحظ أن اليهود يستغلون كل فرصة للإحاطة بقيمة العرب ،انتهى المعرض وعاد بن نبي للتفكير بمشكلات أخرى وفي تلك الأحيان وصل "حمودة بن الساعي" لباريس حيث تجاهل بن نبي خلال اجتماع الوحدوين لكن رغم ذلك فقد شعر مالك بالاطمئنان لوجود أحد أقرانه وبعد انتهاء الاجتماع اصطحبه إلى غرفته وطوال الطريق تبادل الأفكار حول الوسط الطلابي فلاحظ على بن الساعي تحفظه اتجاه الفكرة الإصلاحية وهناك أدرك أن المجتمع الإسلامي قد فقد أحد ركائزه وهي العمل الجماعي  فرغم المشروعات الفكرية السياسية التي اتفق عليها معه إلا أنه لم ترى النور قط ،بدأ بن نبي يشعر بأن باريس تستهويه فتضرع لله يسأله أن يحفظه من مغرياتها فأرشده لامرأة فرنسية فتزوجها وأسلمت على يديه وأسمت نفسها خديجة وتولت أحواله المادية داخل المنزل بعد مدة هجر الزمالة وقل تردده على المدرسة وركز على نقاشاته مع بن الساعي في بيته أما بالنسبة للحي اللاتيني فقد تلوث بمرض البحث عن مراكز مرموقة وبذلك انقسم إلى مجموعتين : الواقعيين الذين يتقبلون تواطؤ مع الإدارة الاستعمارية من بينهم عمار نارون ،المثاليين وهم الرافضين لذلك مثل بن الساعي ومالك بن نبي ،لم يترك بن نبي الوضع دون محاولة لتحسينه فألقى محاضرة "لماذا نحن مسلمون؟" التي لم ترق للواقعين لكنه رد عليهم بارتجال حتى لقبوه ب" زعيم الوحدة المغربية" لكن بعد مدة طالبه البروفسور " مسينيون" بالحضور لكنه لم يلبيها فدفع ثمن كبريائه والده بالجزائر حيث تم نقله من طرف حاكم المدينة لمكان آخر ولم يكن عليه إلا طرق باب من رفض دعوته لإصلاح ذلك ففعل ذلك لكن لم يتغير ذلك وأخذ والده إجازة لعدم قدرته على ترك زوجته بمفردها ولم يعد لمنصبه قط ، لكن كل تلك العقبات لم تزده إلا همة في وجه المستعمر ،انتقل بعدها إلى غرفة مع زوجه قرب باب فرساي كما بلغه خبر إسلام أن " رونيه جوجلاري" الفرنسي الذي أعلن إسلامه وسمى نفسه "محمد الشريف " وسرعان ما دعم القضية الإسلامية وطالب بن نبي توزيع منشورات تضمنت احتجاجا على المستعمر لمنعه النشاط الإصلاحي داخل المساجد فلبى رغبته هو ومجموعته ونشروها في شوارع باريس مما زرع الدهشة في نفوس الباريسيين أما الصحافة فالتزمت الصمت حيال ذلك أما المستعمر فقد أسس قسما خاصا بشارع " لوكونت" لتتبع ذلك ،تزامن مع ذلك شرق نصر الدين الذي أظهر العنف المطلق للنازية وغاندي الذي استمر في اجتماعاته لمعالجة مشاكل الهند وحط رحاله بباريس لإلقاء محاضرة ، وبزغ مصالي الحاج فبعث فكرة نجم شمال إفريقيا  حيث كانت نقطة تحول للشعب الجزائري من نقطة عدم التدخل إلى التظاهر وبذلك تمت التوعية وبعدها تم التحضير لأولى مظاهرة للحزب الوطني في إطار مهرجان بعمارة تشغلها منظمة ماسونية فرنسية،فتكونت من برنامج منوع موسيقى ورقص وخطاب لمصالي الحاج وتمثيلية قصيرة  حيث رمزت للأمير خالد وبعث صورته مع أول عدد لجريدة "الأمة " حيث حضرها الكثيرون لكن في نهايتها كان مصالي لا يجلس بين الحشود وإنما يطل عليهم ومن هنا بدأت فكرة القيادة تظهر التي أثرت لاحقا على المقاومة الجزائرية. في تلك الفترة كان " شكيب أرسلان" لاجئا يصدر جريدة "الأمة العربية" وانضم لاحقا بالجمعية وقد تعرف بن نبي على " فريد زين الدين" الذي كان يسعى إلى تشكيل جمعية الوحدة العربية فكان محمد الفاسي وبلفريج  والطوريس يمثلون مراكش وبن ميلاد وبعض مواطنيه يمثلون تونس ومثل بن نبي الجزائر أما فريد زين الدين فقد مثل سوريا ولبنان وتوالت الجلسات السرية التي بثت في روحهم تمجيد العروبة واستمر في الوقت ذاته مناقشاته الإسلامية مع بن الساعي ومرة عندما خرجا بعد إتمام نقاشهما فاقترح عليه فكرة كتابة خطاب للضمير الجزائري فوافق وقام به ونسخاه ورسل بالنسخ إلى جريدة الدفاع والشهاب والصوت الأهلي وأسرة غنية بالعاصمة قصد النشر لكن لم يرد عليهما أحد ، لكن إخوانهم المراكشيون أصدروا مجلة "المغرب" وبعد لذك تلقوا دعوة لافتتاح معهد عربي في قرطبة فقسموا الأدوار بينهم ولفتت محاضرة بن الساعي الأنظار التي كانت حول "القرآن والسياسة" وبعدها قام بن نبي بتغيير توجهه إلى مدرسة الكهرباء والميكانيك . عاد إلى الجزائر عام 1932 ولاحظ أن موجة الإصلاح وصلت للعاصمة ، لم يُعرف زوجه على عائلته خوفا من ردة فعلهم فتركها في فندق في العاصمة وعاد لتبسة ليرى أهله فكانوا فرحين به كما أنهم غيروا إقامتهم إلى شارع الرسول وعاد للتسكع لأصدقائه ككل مرة فحدثهم عن انطباعاته الباريسية كما أنه كسب صديقا جديدا شاطره أفكاره الإصلاحية هو" محمد المكي"أما الأحوال الإجتماعية أخذت تتغير لكنها بقيت على عهدها الإصلاحي ،بقيت المدينة تتنظر عودة العربي التبسي من سيق وقدوم الشيخ الإبراهيمي وبعد واحد وعشرون يوما من الأجواء السعيدة سافر بن نبي فأخذ زوجه وبينما هو في المدينة لاحظ أن محاضرة صديقه بن الساعي كان لها صدى في الجزائر وظهر جيل يتحدث ويتكلم العربية ،ثم سافرا لباريس استأجر قرب باب"فرساي" مما أتاح له فرصة التعرف على أم زوجته التي أحبها واحترمها كثيرا ومكنته من أخذ صورة صحيحة عن الحضارة الفرنسية ،وبعد العودة صاحبت زوجته مدام "بيري" ،كما كانت مهتمة بالأشغال اليدوية من حكاية ،غرس ،تجميل وطبخ ، كما أنها دعمته في كل المواقف التي تعرض لها طيلة حياته .أما هو فانهمك في العمل حتى عطفت عليه زوجه وطالبته ببعض الراحة فعاد للتسلية مع أصحابه (المرسولين والحي اللاتيني) فعلاقته ب"بن الساعي" اضطربت بسبب نادي الترقي لكن سرعان ما تصلحت ، وبقي ينشغل بالأدب فشده "نيتشه" أو "سبينوزا"

رويدا خمدت أفكار الوحدة العربية وتعالت النزعة الوطنية التي رفعها مصالي الحاج وكان التواطئ حاضرا ،إضافة لتتبع مالك بن نبي للأحداث إلا أنه لم ينشغل عن دراسته فتفوق كالعادة توالت الصحافة تنشر عن تنقلات آينشتتين وأدب أندري جيد ونظرية دروان ،أما هو فقد وصله خبر حج والديه ففرح لهما وقرر العودة للجزائر عندما يعودان ، حل موعد الامتحانات فكد وجد وبعد الانتهاء منها أبحر نحو الجزائر وقد تغيرت عنابة حضاريا وأخلاقيا والتخلف الاستعماري وصل لتبسة وما إن وصل حتى رحبوا به بحرارة ككل عادة خاصة والديه كان متشوقا لسماع حديث والدته عن مكة ،وقبل رحيله اكتشف أنها تعرف أمر زواجه فاستغرب وطلبت منه البقاء لأول مرة ثم تراجعت عن رأيها وتركته يرحل لفرنسا مجددا ،حكى لزوجته قصص الحج وأعلمها قبول أمه لزواجهما وبعدها بدء يتردد على الدروس الليلة الكيمياء التطبيقية كما التقى بصديق جديد "علي بن أحمد" الذي ارتاد نفس مدرسته وأصدر جريدة"صوت الشعب" التي كانت تهاجم الاستعمار بصراحة ونظرا لتدهور حاله المالي فقد اختفت الجريدة بعد عددين ، تعقدت الأمور بالنازية والأحداث الصعبة التي مرت بها الجزيرة العربية وموسوليني وتوسعه الاستعماري ثم حلول وفد في باريس لتقديم مطالب الشعب  فاستعد الحي اللاتيني لذلك ولكن الصدمة أن رئيس الحكومة الفرنسية "كاميل شوتون" رفض استقبال الوفد فأثر ذلك في الرأي العام الجزائري واقتناع بعدم جدوى السياسة ،بعدها دُهش برسالة تصله من الجزائر من والدته تطلب فيها حضوره مع زوجه فشق طريقه مرة أخرى نحو الجزائر وما إن وصل حتى اجتمع حوله الغفر كبير على غير معتاد وفي طريقه إلى منزله شد الشيخ " الصادق" على يده وأبلغه خبر وفاة والدته كانت الصدمة صاعقة تركته لا يعيي شيء ،استقبلته أختاه بالنحيب لكنه تماسك أمام والده كي لا يضعف ومنذ أن ماتت والدته دخل في صراع مع أختيه بسبب تعصبهما لزوجته أما والده كان يقضي معظم وقت في المقبرة وكانت الأجواء التبسية في تردي مستمر إذ أن الطبقة المثقفة لجأت للخيانة أما الاختلاط في قسنطينة أذى المسلمين لليوم الذي كسروا فيه أكبر مخزن وأحرقوا كل نقوده وبذلك كان الوطن ينحرف ولم ينتبه العلماء لذلك وبعد مدة عاد لفرنسا فحصر علاقاته فقط في الوسط الطلابي الجزائري وواجه مشكلة دراسية إذ لم يعد قادرا على التركيز ثم قرر أن يسكن خارج باريس إلى "بروويه" وسجل نفسه بمدرسة الأشغال العمومية بالمراسلة ولا يزال اليهود يحاولون تعجيز بن نبي كي يحطوا من قيمته لكنه استمر بمفاجأتهم وذلك للتنفير من الإسلام ولكن كانت تصدر جرائد تنصره مثل : الإسلام الفتي ،الشاب المسلم لكن سرعان ما كانت تختفي . عادت الأحداث العالمية ومحور برلين روما، الحرب الإسبانية كانتا حديث الساعة ، كما أعلنت فرنسا ولائها للمشروع الإيطالي كانت هذه الأحداث ترسم طريقا للحرب العالمية الثانية .في الجهة الأخرى رجع كل طالب من الحي اللاتيني لبلده ففي تونس فُتح الحزب العلماني للمساومة على الاستقلال أما في مراكش لم يتغير شيء لكن ساهم الطلبة في تسريعها ،أما في الجزائر فكانت هناك هزات من حين لآخر ،أما بن نبي شغله التفكير في الهجرة فطلب جواز سفر له ولزوجه عاد للجزائر مرة أخرى لكن هذه المرة طالبه أهله بتزوج مرة أخرى بسبب عقر زوجته لكنه لم يعر الموضوع اهتمام رغم عدم اعتراض زوجته وكانت التوزيع الايديولوجي في تبسة لايزال على حاله وبقيت الأوضاع على حالها بين جيل يحفظ القرآن وآخر يُقامر ، وفي تلك الأثناء حرص بن نبي وصديقه مكي محمد على إنقاذ "خالدي" المثقف فقدم له كتابا لنيتشه وأعادوا توجيهه إلى الحركة الإصلاحية . عاد لفرنسا مرة أخرى متلهفا للجوزات فوصله لكنه لم يتمكن من السفر بسبب منع الاستعمار بصورة مشروعة ثم عاد هو وزوجته إلى فرنسا لإتمام السنة الدراسية الأخيرة حيث استأجر قرب مدرسته  واستأنف حلقاته مع بن الساعي إلا أنه اكتشف أن عجوزا كانت تتجسس عليهما واستمر الغزو النازي كما تم اغتيال ملك بوغسلافيا أما فرنسا كانت تتأهب للانتخابات أما في الجزائر فد ظهرت الجبهة الشعبية وووصل علماء الأزهر فتعرفوا عليهم وساعدوهم في تعلم العربية والاطلاع على أحوال الشرق ففكرة الهجرة لازالت تختلج روحه أما فرحات عباس فقد صدم الجميع بمقاله "أنا فرنسا" فرد بن نبي عليه كبرياء بمقال ورسله للأمين العمودي الذي رفض نشره حفاظا على وحدة الجزائرين كما أُنعقد المؤتمر الإسلامي الذي كان أول انتصار يحققه الشعب الجزائري وتم إلقاء القبض على التبسي بتهمة التحريض على الاغتيال ثم سافر هو وزوجه لتبسة فوجد أن الوضع تدهور اجتماعيا فلم يحتمل الوضع وسافر لمرسيليا ،وهناك قدم دروسا في نادي ناهض الاستعمار ثم عاد للجزائر وبقيت أفكاره ترفض على تلك الحال أما مولوتوف اتفق مع الإتحاد السوفياتي الأمر الذي رسخ فكرة التقدمية في تبسة وقد فقد الأمل وسافر لفرنسا قهرا مع زوجه في 22/09/1939.

الاثنين، يناير 10

فن التقبل

 سأسرد قصتين وقارنوا بينهما جيدا

القصة الأولى

 طالب مجتهد ولد في عائلة مثقفة للغاية جميع عائلته  أطباء فكان حلمه أن يصبح مثل  بقية إخوته كان أخوه الأكبر جراحا والثاني طبيب أسنان والثالث طبيبا عاما فدرس بجد  ولكن للأسف تم رفضه في كلية الطب وتم منحه  فقط الصيدلة بسبب المعدل المتحصل عليه لم يستسلم وقرر أن يصبح طبيبا مهما كلفه الأمر ،أعاد اجتياز الشهادة مرة أخرى  مع جهد أكبر وللأسف مرة أخرى يتم رفضه في الطب   ويمنحوه الصيدلة ! أعاد البكالوريا مرة رابعة  وخامسة والنتيجة كانت نفسها  يتم رفضه  بعد أن تأكد أنه لن يصبح طبيبا اعتزل الدراسة  انغلق حول نفسه  إلا أن جن ! نعم قد جن جنونه وأصبح مريضا عقليا 

أما  القصة الثانية 

فهي حول شخص عالي المقام تورط في قضية  ما فدخل السجن وهو كبير في السن تجاوز الخمسينيات  دخل الرجل للسجن ولكنه لم يستسلم أو أحبط نتيجة ذلك بل اجتاز البكالوريا داخل السجن وتحصل عليها بتقدير جيد لثلاث مرات متتالية وأضاف شهادات أخرى لشهاداته الكثيرة وعندما خرج التحق بالجامعة رغم كبر سنه و درس و هو اليوم مترجم ودكتور فرنسية 

 الخلاصة :تقبل الأوضاع بكل نتائجها السيئة والجيدة يجعلنا نتفادى الكثير من المشاكل النفسية.


فكرة كمنويلث إسلامي

  الكتاب  :  فكرة   كمنويلث   إسلامي   المؤلف :  مالك   بن   نبي   السلسلة :  سلسلة   مشكلة   الحضارة   الترجمة  :  عمر   المسقاوي  - الطيب ...