تأثر ماليزيا ، تركيا ، إيران بفكر مالك بن نبي ، حقيقة تاريخية
يوم
19ماي 2026 بمقر الكرسي العلمي للدراسات الحضارية مالك بن نبي دار بيني وبين
البروفيسور عمار طالبي حديث حول تاثير مالك بن نبي وفكره على ماليزيا بعدما
طرحته عليه على شكل سؤال وقد استفدت العديد من المعلومات شفهيا التي أردت الكتابة
عنها للإجابة والرد على بعض المقالات التي تنفي ذلك
أولا قام مالك
بن نبي بالعديد من المحاضرات العلمية في عدة بلدان مثل السودان ، مصر ، سوريا ،
لبنان وفرنسا وقد تأثر الرئيس مهاتير محمد بشكل مباشر بفكر مالك بن نبي وكتبه وركز
أكثر حول الجانب العلمي والاقتصادي وكان هو الآخر مفكرا وكتب the malay dilemma
وقد ركز فيها على نقد السلوكيات الاتكالية للشعب ودعا إلى ثورة ثقافية ونفسية
لتغيير العادات الانتاجية وتطبيق ما تناوله بن نبي " توجيه العمل "
والتخلص من التبعية والتي اصطلحها بن نبي ب" القابلية للاستعمار " وقد
تبنى نفس الحلول التي طرحها بن نبي إبان الأزمة الآسيوية سنة 1997وأريد أن أشير
أيضا أن ماليزيا قامت بإطلاق قارئ مالك بن نبي وتخليد له كمرجع ، وفي حديث مباشر
باللغة الانجليزية قال رئيس الوزراء أنور إبراهيم أن بن نبي بفكره غير
منعزل بل يركز على المشاكل بشكل عام إلى الخاص والهدف من المسابقة كان إصدار :
يهدف الإصدار إلى تيسير فكره وجمعه في دليل مرجعي ("قارئ")
باللغتين الإنجليزية والملايوية لتمكين الباحثين والطلاب في جنوب شرق آسيا من
دراسة مشروعه النهضوي.وقد احتضنت الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا هذا الحدث.
أما تركيا يمثل
محطة تاريخية بارزة حيث بدأت حركة ترجمة كتبه إلى اللغة التركية مبكراً جداً في ستينيات
القرن الماضي (أثناء حياته). هذا الحراك الترجمي المبكر ساهم بشكل فعال في
صياغة وتشكيل وعي جيل كامل من القادة والمفكرين الأتراك الحاليين، ووفر لهم
الأدوات المعرفية اللازمة لتفكيك التبعية للغرب والدعوة إلى النهوض الذاتي.
وتتجلى أبرز
ملامح وشخصيات هذا التأثر الفكري في تركيا عبر عدة مسارات:
جيل
"الرؤية الوطنية" (Milli Görüş) وحزب العدالة والتنمية: تخرّج هذا الجيل السياسي، الذي قاده البروفيسور
نجم الدين أربكان ثم رجب طيب أردوغان ونخبته، من رحم النقاشات الفكرية التي دارت
حول أمهات كتب بن نبي المترجمة كـ "شروط
النهضة" و*"الفكرة الأفرو-آسيوية".
وقد انعكس هذا المنهج بوضوح في خطاباتهم ومشاريعهم السياسية التي تركز على
"الاعتماد على الذات"، ورفض التبعية الثقافية الكاملة للغرب، مع السعي
الجاد للجمع بين الحداثة التكنولوجية والحفاظ على الهوية الإسلامية والتاريخية
لتركيا.
الأكاديمي
والسياسي أحمد داود أوغلو (رئيس الوزراء الأسبق): ظهر
تأثره الجلي بأطروحات بن نبي في مؤلفاته الاستراتيجية وعلى رأسها كتاب "العمق الاستراتيجي" وأطروحته "التحول البديل". فقد
اتكأ داود أوغلو على فلسفة بن نبي في نقد "المركزية الغربية"، والعمل
على إعادة إحياء الفضاء الحضاري الإسلامي ككتلة حيوية قادرة على الإنتاج الفكري
والسياسي المستقل.
المفكر
الكبير سيزائي كاراكوتش (Sezai Karakoç): تقاطع
مشروعه الشعري والفلسفي الرائد المعروف بـ
"نظرية البعث الحضاري" (Diriliş) تقاطعاً
مباشراً مع أطروحة بن نبي في إعادة بناء الدورة الحضارية لانتشال الأمة من ركام
السقوط. وساهمت المجلات الثقافية والمنصات التي أسسها كاراكوتش في نشر أفكار
المفكر الجزائري على نطاق واسع بين أوساط الطلاب والشباب الأتراك.
في الأوساط
الفكرية التركية المعاصرة، يُنظر إلى مالك بن نبي على أنه
"طبيب الحضارة" الذي
نجح في تشخيص أزمة "التغريب المشوه"
(Batılılaşma) التي
عانت منها تركيا عقوداً طويلة. لقد التقط الأتراك فكرته الجوهرية التي تؤكد أن "التحضر ليس استيراداً لمنتجات الحضارة الغربية
(الشيئية)، بل هو إبداع لروح ثقافية قادرة على إنتاج أشياء خاصة بها".
ولم تقف هذه
الرؤية عند حدود التنظير، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى
خطوات عملية
استراتيجية تجسدت في: القفزة النوعية والتركيز
على الصناعات الدفاعية المحلية والسعي الحثيث لامتلاك التكنولوجيا
الذاتية المستقلة. وأخيرا إعادة صياغة وإصلاح المنظومة
التعليمية بنيوياً؛ بهدف استئصال ما وصفه بن نبي بعقدة
"القابلية للاستعمار" والتحرر
الكامل من التبعية.
ولم يكن المشهد
الفكري في إيران معزولاً عن طروحات مالك بن نبي بل شكّلت كتبه جسراً معرفياً عبرت
فوقه الأفكار لتقف في وجه "تغريب المجتمع" والنفوذ الثقافي الغربي. وقد
حظي فكره بتقدير استثنائي لدى النخبة الإيرانية لعدة عوامل:
حركة
الترجمة المبكرة : حيث ترجمت أهم مؤلفات مالك بن نبي
إلى اللغة الفارسية في وقت مبكر (منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي)، وعلى رأسها
كتاباه المركزيان: "الظاهرة القرآنية" و"شروط
النهضة". تولى ترجمة هذه الأعمال ونشرها مفكرون إيرانيون بارزون كانوا يبحثون
عن صياغة إسلامية حديثة لمعالجة أزمات العصر.
التقاطع
الفكري مع علي شريعتي: يُعد المفكر الإيراني الشهير الدكتور
علي شريعتي (السوسيولوجي الأبرز في صياغة وعي الشباب الإيراني) من أكثر
الشخصيات تقاطعاً مع فكر مالك بن نبي. ورغم أن شريعتي درس في باريس وتأثر بمدارس
علم الاجتماع الفرنسية، إلا أن أطروحته الشهيرة حول "العودة إلى الذات" ونقده الحاد لـ "التغريب المشوه" التقت
تماماً مع مفهوم بن نبي حول خطورة الاستلاب الثقافي وعقدة "القابلية
للاستعمار".
نقد
الغرب من منظور سنني (قوانين التاريخ): وجد
المفكرون والمصلحون في إيران في كتب بن نبي أسلوباً علمياً تحليلياً يبتعد عن
"الخطاب الوعظي التقليدي"، ويتجه نحو دراسة "سنن التاريخ
والمجتمع". استخدمت النخب الإيرانية مفهوم "توجيه الثقافة" و"شبكة العلاقات الاجتماعية" لتفسير
ركود المجتمعات الإسلامية وكيفية إعادة صياغة الإنسان ليكون منتجاً للحضارة لا
مستهلكاً لمنتجاتها (الشيئية).
ولا
يزال فكر مالك بن نبي حياً في الحوزات العلمية والجامعات الإيرانية (مثل جامعة
طهران) كنموذج رائد في "علم الاجتماع الإسلامي". وتُعقد في إيران دراسات
مقارنة مستمرة بين أطروحات بن نبي وأطروحات مفكرين إيرانيين حول قضايا التجديد،
والتنمية المستقلة، ومواجهة العولمة الثقافية.
إن استقبال
إيران لفكر مالك بن نبي يثبت أن أطروحته كانت "عالمية تتجاوز الحدود
المذهبية"؛ حيث اتخذت منه النخبة الإيرانية دليلاً فكرياً لتشخيص مرض التبعية
للغرب، وركيزة أساسية في معركة الوعي واسترداد الهوية الحضارية المستقلة.
بناءً على ما
تقدم، يتضح جلياً أن محاولات نفي تأثير مالك بن نبي في صياغة التجارب النهضوية
المعاصرة هي قراءة قاصرة تصطدم بصلابة الحقائق التاريخية والشواهد الأكاديمية
الحية. إن ما دار بيني وبين البروفيسور عمار طالبي بمقر الكرسي العلمي لم يكن مجرد
استرجاع لشهادات شفهية، بل هو توثيق لعمق الامتداد البنّابي عابر القارات والمذاهب
والجغرافيات.
لقد أثبتت
تجارب ماليزيا، وتركيا، وإيران أن أطروحات هذا المفكر الجزائري الفذ لم تكن
مجرد ترف فكري أو نظريات حبيسة الأدراج؛ بل شكلت "الدليل المعرفي
والعملي" الذي اهتدت به النخب الحاكمة والمصلحون هناك. فمن "توجيه
العمل" وثورته النفسية في كوالالمبور، إلى استئصال "عقدة القابلية
للاستعمار" وبناء السيادة التكنولوجية والدفاعية في أنقرة، وصولاً إلى
"العودة للذات" وقراءة سنن التاريخ في طهران؛ نجد أن بصمة بن نبي كانت
وما زالت القاسم المشترك في كل محاولة جادة للانعتاق من التبعية الغربية.
إن هذا التبني الواسع يعيد لمالك بن نبي اعتباره كـ "منظر عالمي للإقلاع الحضاري"، ويؤكد أن مشروعه الفكري كان، وسيظل، المرجعية الأقرب لفهم علل الأمة الإسلامية ورسم معالم نهضتها الحقيقية؛ نهضة تبدأ من صياغة وعي الإنسان وثقافته قبل تشييد مصانعه وعمرانه.
![]() |

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق