‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة وحياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة وحياة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، يونيو 2

سيرة مالك بن نبي .. ملخص لكتاب مذكرات شاهد للقرن



تلخيص الكتاب :

القسم الأول:الطفل 1905-1930: استفاد الكاتب من عام مولده 1905 إذ مكنه من أن يكون شاهدا للقرن باتصاله بمن بقوا أحياء من الماضي وأول مكتشفي المستقبل،فاتصل بالماضي عن طريق حكايا جدته "بايا" التي كانت لها دور في تشكيل وعي مالك بن نبي وكان لها الأثر الأول في تكوين شخصيته لأنها ورثت لعائلتها قصصا لمعاناتها إبان دخول الفرنسيين للجزائر فكانت نافذته الأولى على جرائم الاستعمار ،أما جده فهاجر مع الموجة الأولى لطرابلس الغرب وكانت تعبيرا لرفض المستعمر في مختلف المدن التي تردت فيما بعد أحوالها الاجتماعية وخضعت لنمط الاستعمار وتخلت عن عاداتها الدينية والخُلقية فشاع النمط الأوروبي وانتشرت الجالية اليهودية لدرجة أن العروبة الأصيلة تقلصت للأرياف ،رفض المسنون تلك الحال وهاجروا للأرياف من بينهم جد مالك بن نبي الذي تخلى عن دخله وجمع ما استطاع ورحل فعاش حياة الفقر والعسر وفي وقت ذاته شيدت جدة أمه قيمه الأخلاقية بتحديثه عن قيمة العمل الصالح والثواب وبذلك تشكل خلقه الإسلامي ،كانت والدته مضطرة للخياطة كي يأكلوا على الأقل وكانت حريصة على تعليمه القرآن الكريم لدرجة أنها باعت مال سريرها لدفع تكاليف معلم القرآن ، لقد كانت تبسة محمية من الغزو الأوروبي ولم تُفسد نظمها الأخلاقية والاجتماعية وحافظت على عروبتها لأن تضاريسها لم تستهوي المستعمر ،بقيت ألعاب الأطفال بسيطة بسيطة وصلبة ، أما قسنطينة فقد تأثرت بالنمط الاستعماري لأنها احتوت على الضحايا الإدارية للأوروبيين  أما ألعاب أطفالهم كانت أكثر أناقة من التبسية انتشرت الكنائس ،بعد تحسن الوضع المادي لعائلته وحصول والده على وظيفة بعدما كان عاطلا عن العمل ،تم إرسال مالك بن نبي إلى مدرسة فرنسية للصف الثالث وحافظ على المدرسة  القرآنية إلا أنه لم يستطع التوفيق بينهما فانقطع عن المدرسة القرآنية ، في نفس الوقت ظهر حدث مختلف وهو الانتخابات ،فبرز الصراع  السياسي بين عباس بن حمونة الذي قدم للحكومة الفرنسية مطالب الشعب مع بن رحال وأول من سن العربية في البلاد وبن علاوة مناصر الإدارة وانتهت بإخفاق صالح بن حمانة الذي أُغتيل لاحقا وشددت الحراسة العسكرية بعد وفاته ،اندلعت الحرب العالمية الأولى واضطربت باريس وسار أهاليها في مظاهرات لكن في تبسة كل شيء مضى بشكل عادي لكن مع مرور الزمن تداركت ذلك إذ بدأت حملات المتطوعين تغادر المدينة والحدود التي وضعها المستعمر وظهر الأدب الشعبي الذي يستحضر البطولة وفي ضرم تلك الأحداث أرسلته والدته إلى قسنطينة للتعرف على جده الذي عاد من طرابلس بعد أن احتلها الإيطاليون وخالته بهيجة وأعمامه ،إرساله إلى هناك لبى رغبته الخفية للعودة هناك بعد وصوله تجول ثم سلمه والده للرجل صاحب المقهى ليسلمه لخالته بهيجة التي كانت تعيش في واحدة من البيوت التي تجمع مختلف أصناف الطبقات بدخل تقاعدي فاستقبلته بحفاوة بالغة وتعرف صباحا بجده الذي شكل معلوماته التاريخية هو الآخر حول موضوع الحرب على الصعيد العالمي  أما شقيق جده محمد فكان متصوف لا يتكلم مع أحد فلم تسنح له الفرصة للتعرف عليه ،انبهر بالحياة الحضارية هناك وشاكس كثيرا  فاضطرت خالته لإعادته لأهله في تبسة التي لم تتغير عن سابقها ،كان منضبطا في تأدية فروضه ،بدأت رحلة مطالعته متأثرة بالمدرسة الفرنسية فكان يتفرغ من واجباته يوم الأحد وقضائه عند بقال الحي حيث وجد أجزاء الحرب مطبوعة فالتهمها قراءة مما زاده قربا للساحة النزاع العالمي وبعد أيام كانت الطائرات الألمانية تقضي على باريس وبهذا تزعزع حال الفرنسيين في تبسة وفي الحادي عشر من تشرين الثاني من 1918 بدأ الجزائريون يتحدثون عن النقاط الأربع العشر ل ويسلون وتوسيع المشاركة في الانتخابات البلدية وقد انقسم لمجموعتين  وظهرت مطالبة الشعوب بحق تقرير المصير أما الإمبراطورية العثمانية أصبح تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية أما فيصل ابن مكة طُرد من سوريا  ودخل الجنرال غورو لقبر صلاد الدين والإنكليز شرعوا يقيمون الكيان الإسرائيلي بفلسطين ،أما أمريكا فأصبحت قطب العصرانة في مختلف الميادين حيث تربع الدولار على المبادلات ،أما لينين قضى على ويجان ليشيد عالما جديدا أما في تبسة استمرت الحياة على عاديتها لكنها كانت تتغير ببطء وفي يوم اندلعت حرائق كبيرة في سهول تبسة ففقدت مروجها وخصوبتها وفقد معها التبسيون قوته وانقطعت جموع البقر وحل محلها الطرقات والسيارات وتم تأسيس أول شركة سفر وفي ضمن تلك الأحداث فقد نجح بن نبي في الشهادة الابتدائية وحصل على منحة لمتابعة المرحلة التكميلية في قسنطينة في مدرسة سيدي الجلي بعد إتمامه أربع سنوات بتفوق ،أتى يوم الانتقال إلى قسنطينة فشد الرحال إلى بيت عمه محمود وزوجته حيث عاش معهما حرا أكثر من ذي قبل فتعرف على الحياة الفرنسية واليهودية أكثر عن طريق الأحياء المختلطة ،دخل لمدرسته التي كانت تُكون العدول والمعلمين ومساعدي الأطباء وميزت بين أبناء الجزائرين بين فريقين فريق سهل له الانتساب للمدرسة لاتصال آبائه بالإدارة الفرنسية وهم الأطباء ومساعديهم وكونتهم دون شخصية ورضوخ للمستعمر مثل فرحات عباس أما الفريق الثاني كان العدول الذين حملوا في قرراتهم مسؤولية الرسالة القومية  ،مسايرة لرغبة عائلته فقد درس القضاء الشرعي وسجل في الوقت ذاته في دروس الشيخ عبد المجيد حيث ساهم في شكل كبير في غرس الكره للسياسية التعسفية للمستعمر وبث فيه حب الثقافة العربية بتلقينه دروس النحو أما أساتذته الفرنسيين فقد أخذ منهم فن الكتابة وعادة القراءة ،أما أصدقائه صالح بن حليمية وحمزة بوشوشة كان يتسكع معهم حبا للدراسة معهما ، أما الصحافة هناك فقد دخلت حيز الرفض العلني للاستعمار بإصدار أول جريدة باللغة العربية "النجاح" لكن مواضيعها كانت ركيكة

أعلنت الامتحانات على نهاية السنة الدراسية التي توج بها بالتفوق والقبول في المدرسة وبعدها عاد لتبسة وهو يحمل فخره على كتفيه ، حيث وجد أمه قد نقلت لتونس لاجراء عملية جراحية لكنها فشلت فقضى معظم وقته معها وما تبقى بالتسكع مع أصدقائه وبعد مدة عاد لقسنطينة كطالب داخلي سرعان ما أقام صداقات فتعرف على فضلي وقاواو حيث كانوا يقضون معظم أوقاتهم فيما بعد في مقهى بوعربيط الذي ترددت عليه مختلف الأجيال من الطلاب الذي احتفظ بالتقاليد الشعبية حيث كانت تتردد عليه فئتين رواد الصالة الرئيسية الذين اتسموا بالرزانة والنقاش وحب الشعر  وزبائن الصالة الخلفية الثائرون المهتمين بالرياضة  وقد ساهم في زيادة متانة الصداقة الثلاثي ،كما انقسمت المدرسة إلى مجموعتين ،المجموعة الأولى طلاب السنتين الأولى والثانية أما المجموعة الثانية تشكلت من طلاب السنة الثالثة والرابعة وكان للمجموعتين أن تجلسا وتتجادل في مواضيع سياسية في المقهى ،بقيت الهواة بين الجزائرين ومعمرين قائمة فقام الأمير خالد يدافع عن الشعب الجزائري ومصطفى كمال الذي تحدى هو الآخر المستعمر أما بن نبي بدأ في قراءة مؤلفات أدبية  منها فاقدات السعادة والرجل الذي اغتال حيث كونت لديه معرفة بالنكبات الشرقية ، واستمر تكوينه الروحي و الإصلاحي  مع الشيخ مولود بن موهوب الذي حافظ على الحركة القديمة بينما كانت الحركة الإصلاحية لا تأبه للظروف المحيطة وطالبت بالتجديد وبهذا تأرجح بن نبي بين المحتوى الديكتاتوري الفرنسي والتكوين الإصلاحي لكنه لم ينجرف وراء الرومانطيقية بفضل كتابين هما الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق ورسالة التوحيد إذ قرباه من مشهد الإسلامي أكثر ،تعرف بعد ذلك ب محمد بن الساعي ابن باتنة المثقف باللغتين العربية والفرنسية وخير قدوة ،غيرت المدرسة شيئا من أسلوبه في اللباس فتعلم وشع الشاشية وربطة العنق بعد مدة توفي عمه محمود وعاد يتردد على خالته بهية التي عانت من الفقر لاحقا في الحي نفسه  كل العائلات قد تغير حالها البعض هاجروا والبعض غيروا نمط حياتهم صاحبه تغير على المستوى مدرسة إذ غير الطلبة مقهى بوعربيط  بمقهى قرب حانة يدعى "بوكاميه " وبهذا ساد الانحطاط لكن بن نبي كان يفصح عن أفكاره الإصلاحية لتغيير الوسط بطريقة تخلي من الرقة وبعدها تردد على بعثة تبشيرية وتعرف على الإنجيل واكتسب ثقافة مسيحية وفي الوقت ذاته تعرف على تلامذة الشيخ بن باديس الذين حضروا للدفاع عن الإسلام وعندها أدرك أنه ينتمي إليهم في أفكارهم وبذلك شعر في رغبة باللقاء بالعلامة عبد الحميد ابن باديس بعدها وقع خلاف بين اليهود والفرنسين بسبب جريدة استفزت اليهود وانتهى بمظاهرة يهودية لمعاقبة الجريدة .لم يكن يذهب لتبسة إلا في العطل فعلم من حليمية أن الحياة لا تزال على مجراها المتروك عليه ، أقبلت الامتحانات مرة أخرى حيث كانت تفسد مظهر الطلاب لانشغالهم في الحفاظ على منحهم الدراسية سواء بالدراسة أو الغش وكانت نتائج أن مالك بن نبي وصديقه حليمية قد نجحا بعد الإعلان انصرف الجميع لتنظيف نفسه والبحث عن هدايا يعود بها لعائلته ،عاد لأهله وكانت أمه لا تزال مريضة يعتني بها الدكتور فيكاريلا بثمن قليل وإنسانية أكثر والإيمان ببركة الشيخ سليمان الذي كان يحب رؤية ديكيه يتقتلان أمامه لكنه كان يحل الخلافات العائلية من جهة أخرى ويحضر الأحداث الاجتماعية من زواج وطلاق وكان يغير الطبع البربري فيختطب يوم الجمعة داعيا لترك العويل والصخب وببطء أصبحت تبسة أكثر هدوءا ،رغم أنه لم يتبنى الفكرة الإصلاحية إلا أنه كان يطبقها ، بدأت تبسة تستقبل العلماء العائدين من الشرق وبذلك أصبحت قطبا ثقافيا تتزاحم فيه الأفكار تحت إشراف الشيخ محمد بن إبراهيم وراعه بعده الصدوق بن خليل ثم الشيخ عسول ثم الشيخ العربي التبسي الذي أمجها في الحركة الإصلاحية لاحقا  أما الشيخ سليمان استلم القيادة الروحية والدينية كانت نقطة تحول للعادات بطريقة غير مباشرة فأهملوا حديث المقاهي وانصرفوا إلى الحلقات لكن المظهر الخارجي تفرنس ،أما اليهود فقد تحسن وضعهم ودخلوا التجارة من بابها الواسع وتخلوا عن صب المعادن وقد اختلط الجزائريون بهم وبالفرنسين في الحفلات الراقصة . كان الأمير خالد قد أصدر جريدة " الإقدام" أما دندان أصدر صحيفة "الراية" أما الصحافة التونسية أصدر "العصر الجديد" باللغة العربية حيث اهتمت بالعالم الإسلامي .بعد انتهاء العطلة عاد لقسنطينة  حيث زار خالته بهية فوجدها أكثر فقرا لكن بيتها كان يجسد الثقافة الحقة ولأجواء المدرسة المعتادة المتأرجحة بين السينما ومقهى بوكاميه وقد فتح بن يمينة مقهى جديد بقر شركة بن باديس حيث تهافت عليه المدرسيون ،الأمر الذي مكن بن باديس من معرفة ابن باديس أكثر وثد كان يصدر مجلة الشهاب بعد مجلة المنتقد التي تم منعها لاحقا من قبل الإدارة المحلية وفي تلك الفترة تسرب لبن نبي حلم الهجرة إلى "تمبوكتو" وتتابعت رحلة التكوين الدينية لديه مع مختلف الكتب من بينها "في ظلال الإسلام الدافئة "وكتاب "أم القرى" أما الصحف قد أضفت بعدا قوميا منها "الإنسانية "،"الكفاح الاجتماعي" والطاغور الذي بث فيه روح التحرر من قيود الاستعمار والعبودية  وقاده أكثر نحو الإسلام  تسربت أفكاره لزملائه لكنه لم يرق لمدير المدرسة الذي أخذها كنوع من التمرد عالجها بتهديد منه . في تلك الأثناء كانت أوروبا تخضع لتغيرات كثيرة فقط سقطت جمهورية ويمر وفر الإمبراطور الهولندي من الحكم ولينين ثبت حكمه في موسكو أما الصحراء الجزائرية استقبلت السياح الأمريكيين أما الأب "زويمر" عمل على تنصير المسلمين و"لافيجاري" أسس الأخوية الآباء البيض قبله لتنصير القبائل وبسكرة وبذلك الدخول في صراع ديني بين الإسلام والمسيحية .عادت فترة الامتحانات مرة أخرى والجو المضطرب ونجح هو وصديقه حليمية مرة أخرى وعاد لتبسة بعد عطلة الامتحانات ،تزوجتا شقيقاته وقد تحسنت حالة أمه ، عاد للهو مع أصحابه وجو تبسة الفاتن وقد كان الشيخ سليمان يكمل رسالته الإصلاحية والشيخ الصدوق وعسول يتنفسان على استقطاب شباب تبسة ولكن بعد عودة العربي التبسي أصبحوا رواد مواعظه  وكان هو الآخر يلقن أصدقائه بما يعرف من أخبار الشيخ بن باديس والطواطي

وقد أدخل صاحب المقهى الحي أسطوانة مصرية التي ساعدت لاحقا على تطوير الحس الفني والسياسي وفي الوقت نفسه كان الذوق الفرنسي يتأمرك ،انتشرت السيارات في المدينة أما العربات اختفت ، وقد عُين حاكم إداري جديد يهتم بشؤون الحكم ،وقد بدأ عصر جديد في تبسة من سباق للخيول وغزو الطائرات للسماء . انتهت فترة العطلة وحان وقت العودة لقسنطينة

تغير شكل المقاهي وكانت بداية مرحلة ما بعد النهضة ،ظهرت صحيفة جديدة باللغة العربية " أم القرى" وقد ضمت صوتها لجريدة "الشهاب" التي كانت مطبعته قرب مكتب الشيخ بن باديس وبذلك دخلت فإن الأفكار المتداولة محت المعتقدات الباطلة وشرعت تقسم الوسط لطبقات أما الشيخ محمد طاهر عنيزي غادر الجزائر مع والده سيدي حمدان إلى المدينة المنورة فتلقى تعليما هناك وعندما مات والده عاد إلى الجزائر لكنه لم يستطع التأقلم وكان ثائرا على الانحرافات كان ينتقد الجميع  وكان من زبائن مقهى بن يمينة فقد أثر على عقولهم بمغامراته ، أما مكتبة النجاح فقد مكنتهم على التعرف على يونس البحري الشاب الذي عصفت به الرياح من بغداد إلى الجزائر حيث كان يحمل كل الجديد  وقد أثار الخطر في الأمن فعين إسماعيل مسؤولا عليه ، انقسم مقهى بن يمينة إلى أشخاص يعملون على مستقبل أفضل وآخرون لم يتجاوزوا قصة ألف ليلة وليلة أما شوارع قسنطينة انقسمت اقتصاديا فأعمال اليهود ازدهرت أما ملكية الجزائرين نُهبت . أما بن نبي تابع رحلته في القراءة مع كتاب  ابن خلدون بالترجمة الفرنسية وكتاب لكونديلا الذي تمكن من تحديد اتجاه أفكاره رغم معاتبة المدير له القيام بالرياضة بدل القراءة لكنه لم يذعن له ، اجتاز امتحان آخر وقد نجح مرة أخرى وعادت الأحداث تنسج مرة أخرى ، شاع الحديث عن انتصار الأمير عبد الكريم على جنرال سلفستر أما ألمانيا فقد سلمت الحكم إلى الماريشال هندنبرغ وفي ايطاليا جماهير للدوتشي اقتحمت روما وبدأ غاندي يكتسب شهرة واسعة في العالم بسلميته ،عاد لتبسة مثل العادة فتأمركت هذه المنطقة أكثر واستولى المعمرون على أراضي أكثر ،عادت أمه للمشي على قدميه بفضل عكازين وعاد لأصدقائه ولا يزال سكانها يعيشون حياتهم العادية والبسيطة ومشاهدها المتكررة والقصص عن الجيش التي كانت تضفي نوعا من الحماس وتبدد الملل أحيانا أخرى ،عاد العربي التبسي من القاهرة وقد انقسمت المدينة لفريقين فريق تبع الشيخ سليمان والآخر العربي التبسي أما الشيخان عسول والصدوق بن خليل فقد تركا الصراع لهما . أما عائلته فقد بقيت تحت ولاء الشيخ سليمان أما مالك فكان في صف الصدوق بن خليل ،مضت العطلة وعاد لقسنطينة ،لاتزال الفئى الأوروبية في تزايد كبير ولا يزال الصراع قائما بين الأمير خالد ومورينو و صحيفة الشؤون العامة لقسنطينة سلطت الضوء على حرب الريف وبدأت أفكاره تتكون حول اجتياز الشمال من وهران لكن خططه كانت تفشل ،حرب الريف زعزعت الكيان الفرنسي وحطمت أسطورة أنه لا ينهزم عاد لديه الاهتمام بتمبوكتو بسبب الجولة الصفراء والسوداء سرعان ما بددها التساؤل عن المستقبل كيف سيكون ،كانت الآفاق تنحصر في الترجمة والقضاء الشرعي ،ربما الزراعة أيضا لولا أنها لا تمنح للمعمر فقط وقد بدد هذه التساؤلات مقهى بن يمينة كالعادة ،حيث كان يزدحم الشارع برجال الحركة الإصلاحية المتوجهين نحو إدارة الشهاب أو صدى الصحراء ،كما كان يمر بن باديس  وقد بدأ يلفت انتباه بن نبي الرجل المنفي حسن المعاملة ذو النزعة الإنسانية والإصلاحية و تنامت المقاومة بعد نفي الثعالبي ثم عاد أسئلة المستقبل بين الأصدقاء ففكر بالهرب إلى الريف مع شوت أو العمل مع حليمية مساعد مترجم أو السفر مع قاواو إلى فرنسا وبعد إعلان النتائج تخرج عام 1925 وراح يبحث عن الخطوة الموالية  فكتب إلى بن خلاف يسأله فيها المشاركة في تأسيس شركة تجارية ولم يرد عليه ،رحل شوت للمغرب وبقي قاواو وبذلك تمكن من إقناع بالسفر لفرنسا وقد نجح ،رحلا محملان بالأحلام لكنها اصطدمت بالواقع الذي يظلم أبناء المستعمرات  فقد تم رفضهما في المصنع وتشردا ثم وجدا عملا في مصنع اسمنت ثم سأما فعادا للجزائر للحصول على بداية جديدة ،تعرض للرفض مرة أخرى من ورقلة ثم شرع يطالب النائب العام بوظيفة عدل وبعد مرات كثيرة من الرفض بسبب سنه تم قبوله وتعيينه في أفلو كعون إداري فعاش حياة بسيطة وتعرف على الحياة هناك قبل أن يتسرب إليها مرض الاستعمار ،كانت فئاتها نبيلة وأصيلة مضيفة بحق ،وصاحب سي "عمر" الذي لم يشعره أنه غريب ورافقه دوما وبعد مدة عُين في محكمة أخرى وشاهد الممارسات الاستعمارية عن قرب فلم يرد أن يكون طرفا فيها وقدم استقالته ثم عاد لتبسة يبحث عن حل آخر للعيش حيث كان يشتغل صهره على تأسيس مطحنة وبذلك اشترك معه في تأسيسها لكن سرعان ما انسحب لأنها لم تحقق ربحا إضافيا إلا بسرقة الزبون فانسحب محافظة على مبادئه ثم وبدعم من والديه سافر لفرنسا لإكمال دراسته عام 1930 .

 

القسم الثاني الطالب1930-1939 :وصل بن نبي إلى فرنسا في أول شهر سبتمبر 1930 لمحطة ليون بباريس وهو مصمم على التقدم هذه المرة ،فاستقر في غرفة متواضعة في المنطقة العاشرة من باريس الذي كان مليء ببنات السوء لكنه لم يرعهن أي اهتمام ،كان يظن أن الآفاق ستجدد هنا ،بعد أيام سجل في معهد الدراسات الشرقية وبقي ينتظر في الامتحان مع التعرف أكثر على باريس وبينما هو يتسكع في إحدى شوارعها إذ به يجد لافتة كتب عليها

"وجبة طعام ، أربع فرنكات وخمسة وسبعون سنتيما" ولأنه كان يحاول الاقتصاد في المصارفي فدخل إلى مكان فوجده مظلما حتى خرج له رجل من الظلام سائلا إياه ما يريد فأخبره عن اللافتة  فابتسم له ومن هناك انضم مالك إلى الوحدة المسيحية للشبان الباريسين  التي كانت منظمة تنظم شؤون الطلاب المغتربين وكان مقرها مزودا بقاعة رياضة ومسبح وقاعة مطالعة فوجد فيها نوعا من الراحة ومع مرور الوقت كونت وعيه الفكري وتكوينه الروحي أيضا كما عرف الجانب الروحي عن قرب للفرنسيين بعدما رافق أحد أصدقائه لزيارة خطيبته في منزلها مع عائلتها الفرنسية واكتشف ،المستعمر كان يتجرد من حضارته عندما يكون في المستعمرات حان موعد الامتحان ، فاجتازه بدون أي خوف وكانت نتيجة راسب كما أكد له مدير المعهد أنه لا جدوى من محاولته وهنا أدرك لأول مرة أن أحلامه تلك لن يعيقه المقياس العلمي مثلما ستفعل سياسة المستعمر . وبعد أنا جالس صديقه " رونيه" وحكى له ما حدث عرض عليه فكرة الانتساب إلى مدرسة اللاسكلي فوافق وبدء في تعلم الرياضيات  والهندسة والكهرباء والميكانيك من جديد بجد فانتسب إلى درجة مساعد مهندس كما اطلع على الفن بزيارته المتكررة لمتحف الصناعات والفنون وبعد مدة تقلصت أحلامه لتنزوي في تحصيل العلم بلهفة لا غير ،زودته المدرسة بمبلغ لأجل مستحقات الورشة فنظم وقته ما بين المدرسة والوحدة وفي تلك المدة التي أقام فيه بفرنسا كان يجري ملاحظات عابرة يقارن فيها بين الفرد الفرنسي والجزائري كما استمرت محاوراته مع الوحدوين حول مختلف الأديان  كما بقيت أفكاره الوطنية والإصلاحية حاضرة دوما وبقي يعلن رفضه لاستعمار ،بعد مدة اكتشف في الحي لاتيني مركزا يضم صالح بن يوسف وثامر وسليمان بن سليمان من تونس وبلفريج ومحمد الفاسي من المغرب الذين كانوا يحاولون توحيد طلبة الشمال الإفريقي المسلمين في شارع " لودرو زولان" فانضم لهم   لكن عمل المستعمر على ردعه بضربه بجزائريين بربريين مسيحيين  لكن ما عابه مالك على النخبة الإسلامية هو حب الظهور في المراتب السياسية وإهمالها للمشكلات الأساسية للعالم الإسلامي ،بدأت باريس تستعد لمعرض المستعمرات محتفلة بجبروتها فوضع داخل سور المعرض متحف بطابع استعماري واستغل التجار المناسبة ، كان له جناح أيسر خصص للآباء البيض وجناح للكتب ،من بين الكُتب التي توزيعها "الرسائل الجزائرية" الذي كان فحواه نقد العادات والتقاليد الإسلامية حيث كان هدفه تنصير مراكش وهناك التقى بن نبي بوفد من تبسة طمأنوه على حال أهله فقرر قضاء الصيف في باريس ليس للدراسة وإنما للمعرض فلاحظ أن اليهود يستغلون كل فرصة للإحاطة بقيمة العرب ،انتهى المعرض وعاد بن نبي للتفكير بمشكلات أخرى وفي تلك الأحيان وصل "حمودة بن الساعي" لباريس حيث تجاهل بن نبي خلال اجتماع الوحدوين لكن رغم ذلك فقد شعر مالك بالاطمئنان لوجود أحد أقرانه وبعد انتهاء الاجتماع اصطحبه إلى غرفته وطوال الطريق تبادل الأفكار حول الوسط الطلابي فلاحظ على بن الساعي تحفظه اتجاه الفكرة الإصلاحية وهناك أدرك أن المجتمع الإسلامي قد فقد أحد ركائزه وهي العمل الجماعي  فرغم المشروعات الفكرية السياسية التي اتفق عليها معه إلا أنه لم ترى النور قط ،بدأ بن نبي يشعر بأن باريس تستهويه فتضرع لله يسأله أن يحفظه من مغرياتها فأرشده لامرأة فرنسية فتزوجها وأسلمت على يديه وأسمت نفسها خديجة وتولت أحواله المادية داخل المنزل بعد مدة هجر الزمالة وقل تردده على المدرسة وركز على نقاشاته مع بن الساعي في بيته أما بالنسبة للحي اللاتيني فقد تلوث بمرض البحث عن مراكز مرموقة وبذلك انقسم إلى مجموعتين : الواقعيين الذين يتقبلون تواطؤ مع الإدارة الاستعمارية من بينهم عمار نارون ،المثاليين وهم الرافضين لذلك مثل بن الساعي ومالك بن نبي ،لم يترك بن نبي الوضع دون محاولة لتحسينه فألقى محاضرة "لماذا نحن مسلمون؟" التي لم ترق للواقعين لكنه رد عليهم بارتجال حتى لقبوه ب" زعيم الوحدة المغربية" لكن بعد مدة طالبه البروفسور " مسينيون" بالحضور لكنه لم يلبيها فدفع ثمن كبريائه والده بالجزائر حيث تم نقله من طرف حاكم المدينة لمكان آخر ولم يكن عليه إلا طرق باب من رفض دعوته لإصلاح ذلك ففعل ذلك لكن لم يتغير ذلك وأخذ والده إجازة لعدم قدرته على ترك زوجته بمفردها ولم يعد لمنصبه قط ، لكن كل تلك العقبات لم تزده إلا همة في وجه المستعمر ،انتقل بعدها إلى غرفة مع زوجه قرب باب فرساي كما بلغه خبر إسلام أن " رونيه جوجلاري" الفرنسي الذي أعلن إسلامه وسمى نفسه "محمد الشريف " وسرعان ما دعم القضية الإسلامية وطالب بن نبي توزيع منشورات تضمنت احتجاجا على المستعمر لمنعه النشاط الإصلاحي داخل المساجد فلبى رغبته هو ومجموعته ونشروها في شوارع باريس مما زرع الدهشة في نفوس الباريسيين أما الصحافة فالتزمت الصمت حيال ذلك أما المستعمر فقد أسس قسما خاصا بشارع " لوكونت" لتتبع ذلك ،تزامن مع ذلك شرق نصر الدين الذي أظهر العنف المطلق للنازية وغاندي الذي استمر في اجتماعاته لمعالجة مشاكل الهند وحط رحاله بباريس لإلقاء محاضرة ، وبزغ مصالي الحاج فبعث فكرة نجم شمال إفريقيا  حيث كانت نقطة تحول للشعب الجزائري من نقطة عدم التدخل إلى التظاهر وبذلك تمت التوعية وبعدها تم التحضير لأولى مظاهرة للحزب الوطني في إطار مهرجان بعمارة تشغلها منظمة ماسونية فرنسية،فتكونت من برنامج منوع موسيقى ورقص وخطاب لمصالي الحاج وتمثيلية قصيرة  حيث رمزت للأمير خالد وبعث صورته مع أول عدد لجريدة "الأمة " حيث حضرها الكثيرون لكن في نهايتها كان مصالي لا يجلس بين الحشود وإنما يطل عليهم ومن هنا بدأت فكرة القيادة تظهر التي أثرت لاحقا على المقاومة الجزائرية. في تلك الفترة كان " شكيب أرسلان" لاجئا يصدر جريدة "الأمة العربية" وانضم لاحقا بالجمعية وقد تعرف بن نبي على " فريد زين الدين" الذي كان يسعى إلى تشكيل جمعية الوحدة العربية فكان محمد الفاسي وبلفريج  والطوريس يمثلون مراكش وبن ميلاد وبعض مواطنيه يمثلون تونس ومثل بن نبي الجزائر أما فريد زين الدين فقد مثل سوريا ولبنان وتوالت الجلسات السرية التي بثت في روحهم تمجيد العروبة واستمر في الوقت ذاته مناقشاته الإسلامية مع بن الساعي ومرة عندما خرجا بعد إتمام نقاشهما فاقترح عليه فكرة كتابة خطاب للضمير الجزائري فوافق وقام به ونسخاه ورسل بالنسخ إلى جريدة الدفاع والشهاب والصوت الأهلي وأسرة غنية بالعاصمة قصد النشر لكن لم يرد عليهما أحد ، لكن إخوانهم المراكشيون أصدروا مجلة "المغرب" وبعد لذك تلقوا دعوة لافتتاح معهد عربي في قرطبة فقسموا الأدوار بينهم ولفتت محاضرة بن الساعي الأنظار التي كانت حول "القرآن والسياسة" وبعدها قام بن نبي بتغيير توجهه إلى مدرسة الكهرباء والميكانيك . عاد إلى الجزائر عام 1932 ولاحظ أن موجة الإصلاح وصلت للعاصمة ، لم يُعرف زوجه على عائلته خوفا من ردة فعلهم فتركها في فندق في العاصمة وعاد لتبسة ليرى أهله فكانوا فرحين به كما أنهم غيروا إقامتهم إلى شارع الرسول وعاد للتسكع لأصدقائه ككل مرة فحدثهم عن انطباعاته الباريسية كما أنه كسب صديقا جديدا شاطره أفكاره الإصلاحية هو" محمد المكي"أما الأحوال الإجتماعية أخذت تتغير لكنها بقيت على عهدها الإصلاحي ،بقيت المدينة تتنظر عودة العربي التبسي من سيق وقدوم الشيخ الإبراهيمي وبعد واحد وعشرون يوما من الأجواء السعيدة سافر بن نبي فأخذ زوجه وبينما هو في المدينة لاحظ أن محاضرة صديقه بن الساعي كان لها صدى في الجزائر وظهر جيل يتحدث ويتكلم العربية ،ثم سافرا لباريس استأجر قرب باب"فرساي" مما أتاح له فرصة التعرف على أم زوجته التي أحبها واحترمها كثيرا ومكنته من أخذ صورة صحيحة عن الحضارة الفرنسية ،وبعد العودة صاحبت زوجته مدام "بيري" ،كما كانت مهتمة بالأشغال اليدوية من حكاية ،غرس ،تجميل وطبخ ، كما أنها دعمته في كل المواقف التي تعرض لها طيلة حياته .أما هو فانهمك في العمل حتى عطفت عليه زوجه وطالبته ببعض الراحة فعاد للتسلية مع أصحابه (المرسولين والحي اللاتيني) فعلاقته ب"بن الساعي" اضطربت بسبب نادي الترقي لكن سرعان ما تصلحت ، وبقي ينشغل بالأدب فشده "نيتشه" أو "سبينوزا"

رويدا خمدت أفكار الوحدة العربية وتعالت النزعة الوطنية التي رفعها مصالي الحاج وكان التواطئ حاضرا ،إضافة لتتبع مالك بن نبي للأحداث إلا أنه لم ينشغل عن دراسته فتفوق كالعادة توالت الصحافة تنشر عن تنقلات آينشتتين وأدب أندري جيد ونظرية دروان ،أما هو فقد وصله خبر حج والديه ففرح لهما وقرر العودة للجزائر عندما يعودان ، حل موعد الامتحانات فكد وجد وبعد الانتهاء منها أبحر نحو الجزائر وقد تغيرت عنابة حضاريا وأخلاقيا والتخلف الاستعماري وصل لتبسة وما إن وصل حتى رحبوا به بحرارة ككل عادة خاصة والديه كان متشوقا لسماع حديث والدته عن مكة ،وقبل رحيله اكتشف أنها تعرف أمر زواجه فاستغرب وطلبت منه البقاء لأول مرة ثم تراجعت عن رأيها وتركته يرحل لفرنسا مجددا ،حكى لزوجته قصص الحج وأعلمها قبول أمه لزواجهما وبعدها بدء يتردد على الدروس الليلة الكيمياء التطبيقية كما التقى بصديق جديد "علي بن أحمد" الذي ارتاد نفس مدرسته وأصدر جريدة"صوت الشعب" التي كانت تهاجم الاستعمار بصراحة ونظرا لتدهور حاله المالي فقد اختفت الجريدة بعد عددين ، تعقدت الأمور بالنازية والأحداث الصعبة التي مرت بها الجزيرة العربية وموسوليني وتوسعه الاستعماري ثم حلول وفد في باريس لتقديم مطالب الشعب  فاستعد الحي اللاتيني لذلك ولكن الصدمة أن رئيس الحكومة الفرنسية "كاميل شوتون" رفض استقبال الوفد فأثر ذلك في الرأي العام الجزائري واقتناع بعدم جدوى السياسة ،بعدها دُهش برسالة تصله من الجزائر من والدته تطلب فيها حضوره مع زوجه فشق طريقه مرة أخرى نحو الجزائر وما إن وصل حتى اجتمع حوله الغفر كبير على غير معتاد وفي طريقه إلى منزله شد الشيخ " الصادق" على يده وأبلغه خبر وفاة والدته كانت الصدمة صاعقة تركته لا يعيي شيء ،استقبلته أختاه بالنحيب لكنه تماسك أمام والده كي لا يضعف ومنذ أن ماتت والدته دخل في صراع مع أختيه بسبب تعصبهما لزوجته أما والده كان يقضي معظم وقت في المقبرة وكانت الأجواء التبسية في تردي مستمر إذ أن الطبقة المثقفة لجأت للخيانة أما الاختلاط في قسنطينة أذى المسلمين لليوم الذي كسروا فيه أكبر مخزن وأحرقوا كل نقوده وبذلك كان الوطن ينحرف ولم ينتبه العلماء لذلك وبعد مدة عاد لفرنسا فحصر علاقاته فقط في الوسط الطلابي الجزائري وواجه مشكلة دراسية إذ لم يعد قادرا على التركيز ثم قرر أن يسكن خارج باريس إلى "بروويه" وسجل نفسه بمدرسة الأشغال العمومية بالمراسلة ولا يزال اليهود يحاولون تعجيز بن نبي كي يحطوا من قيمته لكنه استمر بمفاجأتهم وذلك للتنفير من الإسلام ولكن كانت تصدر جرائد تنصره مثل : الإسلام الفتي ،الشاب المسلم لكن سرعان ما كانت تختفي . عادت الأحداث العالمية ومحور برلين روما، الحرب الإسبانية كانتا حديث الساعة ، كما أعلنت فرنسا ولائها للمشروع الإيطالي كانت هذه الأحداث ترسم طريقا للحرب العالمية الثانية .في الجهة الأخرى رجع كل طالب من الحي اللاتيني لبلده ففي تونس فُتح الحزب العلماني للمساومة على الاستقلال أما في مراكش لم يتغير شيء لكن ساهم الطلبة في تسريعها ،أما في الجزائر فكانت هناك هزات من حين لآخر ،أما بن نبي شغله التفكير في الهجرة فطلب جواز سفر له ولزوجه عاد للجزائر مرة أخرى لكن هذه المرة طالبه أهله بتزوج مرة أخرى بسبب عقر زوجته لكنه لم يعر الموضوع اهتمام رغم عدم اعتراض زوجته وكانت التوزيع الايديولوجي في تبسة لايزال على حاله وبقيت الأوضاع على حالها بين جيل يحفظ القرآن وآخر يُقامر ، وفي تلك الأثناء حرص بن نبي وصديقه مكي محمد على إنقاذ "خالدي" المثقف فقدم له كتابا لنيتشه وأعادوا توجيهه إلى الحركة الإصلاحية . عاد لفرنسا مرة أخرى متلهفا للجوزات فوصله لكنه لم يتمكن من السفر بسبب منع الاستعمار بصورة مشروعة ثم عاد هو وزوجته إلى فرنسا لإتمام السنة الدراسية الأخيرة حيث استأجر قرب مدرسته  واستأنف حلقاته مع بن الساعي إلا أنه اكتشف أن عجوزا كانت تتجسس عليهما واستمر الغزو النازي كما تم اغتيال ملك بوغسلافيا أما فرنسا كانت تتأهب للانتخابات أما في الجزائر فد ظهرت الجبهة الشعبية وووصل علماء الأزهر فتعرفوا عليهم وساعدوهم في تعلم العربية والاطلاع على أحوال الشرق ففكرة الهجرة لازالت تختلج روحه أما فرحات عباس فقد صدم الجميع بمقاله "أنا فرنسا" فرد بن نبي عليه كبرياء بمقال ورسله للأمين العمودي الذي رفض نشره حفاظا على وحدة الجزائرين كما أُنعقد المؤتمر الإسلامي الذي كان أول انتصار يحققه الشعب الجزائري وتم إلقاء القبض على التبسي بتهمة التحريض على الاغتيال ثم سافر هو وزوجه لتبسة فوجد أن الوضع تدهور اجتماعيا فلم يحتمل الوضع وسافر لمرسيليا ،وهناك قدم دروسا في نادي ناهض الاستعمار ثم عاد للجزائر وبقيت أفكاره ترفض على تلك الحال أما مولوتوف اتفق مع الإتحاد السوفياتي الأمر الذي رسخ فكرة التقدمية في تبسة وقد فقد الأمل وسافر لفرنسا قهرا مع زوجه في 22/09/1939.

الأحد، يونيو 27

الذاكرة العادة

                                                                                                                                                     


    الذاكرة العادة

حياتنا التي نعيشها تتكون من عدة أبعاد و هي الماضي و الحاضر و المستقبل ، حيث أن الإنسان يعتمد على الذاكرة و التي هي قدرة دماغية تُمكن الإنسان من تخزين المعلومات     و إسترجاعها .

حيث تم تناول الذاكرة على مدى العصور  على أنها تنقسم لذاكرة عادة و محضة و  الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو ضرورة الوقوف لدى العادة و إرتباطها الشديد بالذاكرة .

في عام 1993 ،بلوس أنجلوس  تم القيام بدراسة لحالة رجل  غيرت من مفهوم الذاكرة        و تقسيماتها و كيفية عملها و المناطق التي تخضع لها ، حيث أن هذا الرجل أصيب بغير سابق إنذار بتشنجات على مستوى المعدة و حالة غثيان حادة و إرتفاع في درجة الحرارة وصلت ل105 درجة  ، تم نقله للمستشفى فأصبح عنيفا ، أخذ في الصراخ و التعدي على كل من كان هناك فلم يكن هناك حال آخر للأطباء سوى تخديره لكي يتلقى العلاج  ، حيث قام أحد الأطباء بإستخلاص قطرات من سائله النخاعي لكنه وجده يختلف كثيرا عن  حالة السائل بالنسبة للشخص الصحيح –يكون صافي – أما الذي وجده فكان قاتم اللون ، يتقاطر ببطء مما نبهه بوجود مشكلة و لاحقا ما إكتشفوا إصابته بمرض يدعى الإلتهاب الدماغي الفيروسي حيث يقوم بمضغ الطيات الدقيقة للأنسجة التي تخزن أفكارنا و تدمير الشكل البيضاوي للأنسجة التي تقع بالقرب من مكان إلتقاء الجمجمة بالعقل و هو مرض مميت

حيث تم نقله على الحال للمستشفى لكنه أصبح كثير النسيان فغالبا ما كان يعيد سؤال الممرضات و الأطباء عن أسمائهم و ما الذي يفعله هنا و بعد أسبوع واحد أصبح يتحدث بشكل طبيعي و يتمكن من إبتلاع الطعام و قد أخذته زوجته بعد ذلك للمنزل و هناك إكتشفت أنه نسي كل شيء حتى أصدقائه و أولاده و كان يردد الأفعال نفسها فمثلا  يتنهض من السرير و يشرب القهوة و يطهو لنفسه ثم يعود لسريره ثم يعود الكرة فينهض و يشرب القهوة و يكمل على ذلك الحال لبقية اليوم ، شعرت زوجته بالقلق فإتصلت بالمتخصصين فحضر عالم الأعصاب و أستاذ النفس " العالم لاري سكوير "، حيث إندهش من كون الرجل لا يستطيع تذكر أبسط المعلومات عن نفسه لكنه يستطيع القيام بعمليات عقلية معقدة فجلس أمامه و سأله عن مكان المطبخ فأردف الرجل بأنه حقا لا يعلم و بعدها شعر بالعطش فنهض بشكل تلقائي و ذهب لشرب الماء ، حيث أثار هذا التصرف ثورة علمية و طبية غيرت من مفهوم الذاكرة حيث أن الذاكرة تنقسم لذاكرة واعية و هي الموجودة في العقد القاعدية و هي التي تحتفظ بوجهات النظر التطوروية  كإبتكار أو أي معلومة جديدة

و ذاكرة لا واعية و هي ما نقصد بها العادة التي نكتسبها بالتكرار حيث تقع في مكان إلتقاء المخ بالعمود الفقري و التي تحتفظ بالأفكار الأقدم –السلوكات التلقائية – و هي مشابهة للحيوان ، يقول أرسطو العادة غريزة ثانية .

و هذا ما يفسر إضطراب الذي مس الرجل ، فهو قد فقد ذاكرته الواعية و بقيت لديه  اللاواعية

فسلوكيات الجيدة قد تصبح عادتك التي حتى ولو أصبت بأي من الأمراض التي تمس بالذاكرة الواعية فإنك ستحتفظ بها .



 

 





فكرة كمنويلث إسلامي

  الكتاب  :  فكرة   كمنويلث   إسلامي   المؤلف :  مالك   بن   نبي   السلسلة :  سلسلة   مشكلة   الحضارة   الترجمة  :  عمر   المسقاوي  - الطيب ...