حياتنا التي نعيشها تتكون من
عدة أبعاد و هي الماضي و الحاضر و المستقبل ، حيث أن الإنسان يعتمد على الذاكرة و
التي هي قدرة دماغية تُمكن الإنسان من تخزين المعلومات و
إسترجاعها .
حيث تم تناول الذاكرة على مدى
العصور على أنها تنقسم لذاكرة عادة و محضة
و الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو ضرورة
الوقوف لدى العادة و إرتباطها الشديد بالذاكرة .
في عام 1993 ،بلوس أنجلوس تم القيام بدراسة لحالة رجل غيرت من مفهوم الذاكرة و
تقسيماتها و كيفية عملها و المناطق التي تخضع لها ، حيث أن هذا الرجل أصيب بغير
سابق إنذار بتشنجات على مستوى المعدة و حالة غثيان حادة و إرتفاع في درجة الحرارة
وصلت ل105 درجة ، تم نقله للمستشفى فأصبح
عنيفا ، أخذ في الصراخ و التعدي على كل من كان هناك فلم يكن هناك حال آخر للأطباء
سوى تخديره لكي يتلقى العلاج ، حيث قام
أحد الأطباء بإستخلاص قطرات من سائله النخاعي لكنه وجده يختلف كثيرا عن حالة السائل بالنسبة للشخص الصحيح –يكون صافي –
أما الذي وجده فكان قاتم اللون ، يتقاطر ببطء مما نبهه بوجود مشكلة و لاحقا ما
إكتشفوا إصابته بمرض يدعى الإلتهاب الدماغي الفيروسي حيث يقوم بمضغ الطيات الدقيقة
للأنسجة التي تخزن أفكارنا و تدمير الشكل البيضاوي للأنسجة التي تقع بالقرب من
مكان إلتقاء الجمجمة بالعقل و هو مرض مميت
حيث تم نقله على الحال للمستشفى
لكنه أصبح كثير النسيان فغالبا ما كان يعيد سؤال الممرضات و الأطباء عن أسمائهم و
ما الذي يفعله هنا و بعد أسبوع واحد أصبح يتحدث بشكل طبيعي و يتمكن من إبتلاع
الطعام و قد أخذته زوجته بعد ذلك للمنزل و هناك إكتشفت أنه نسي كل شيء حتى أصدقائه
و أولاده و كان يردد الأفعال نفسها فمثلا
يتنهض من السرير و يشرب القهوة و يطهو لنفسه ثم يعود لسريره ثم يعود الكرة
فينهض و يشرب القهوة و يكمل على ذلك الحال لبقية اليوم ، شعرت زوجته بالقلق فإتصلت
بالمتخصصين فحضر عالم الأعصاب و أستاذ النفس " العالم لاري سكوير "، حيث
إندهش من كون الرجل لا يستطيع تذكر أبسط المعلومات عن نفسه لكنه يستطيع القيام
بعمليات عقلية معقدة فجلس أمامه و سأله عن مكان المطبخ فأردف الرجل بأنه حقا لا
يعلم و بعدها شعر بالعطش فنهض بشكل تلقائي و ذهب لشرب الماء ، حيث أثار هذا التصرف
ثورة علمية و طبية غيرت من مفهوم الذاكرة حيث أن الذاكرة تنقسم لذاكرة واعية و هي
الموجودة في العقد القاعدية و هي التي تحتفظ بوجهات النظر التطوروية كإبتكار أو أي معلومة جديدة
و ذاكرة لا واعية و هي ما نقصد
بها العادة التي نكتسبها بالتكرار حيث تقع في مكان إلتقاء المخ بالعمود الفقري و
التي تحتفظ بالأفكار الأقدم –السلوكات التلقائية – و هي مشابهة للحيوان ، يقول
أرسطو العادة غريزة ثانية .
و هذا ما يفسر إضطراب الذي مس
الرجل ، فهو قد فقد ذاكرته الواعية و بقيت لديه
اللاواعية
فسلوكيات الجيدة قد تصبح عادتك
التي حتى ولو أصبت بأي من الأمراض التي تمس بالذاكرة الواعية فإنك ستحتفظ بها .